image

هنا رقصتُ على الجرح العراقي في 2005

الرقص على الجرح العراقي

التقينا قبل أحد عشر ربيعا.. وربيع.. أتذكر؟ كان بائع العصير قرب دوار السبع بحرات يعصر الألوان ليقدمها في كأس زجاجي كبير ذي مربعات ناتئة.. كان بائعوا الكتب يفرشون شارع الحلبوني بالأدب والفلسفة والتاريخ.. هل قلت التاريخ؟ عذرا سيدي لم يكن هناك تاريخ.. نحن نعيش اللحظة ذاتها منذ بدء الخليقة.. منذ الخطيئة الأولى.. بل منذ ويسفك الدماء.. كان بائعوا الكتب يفرشون شارع الحلبوني بكتب الأدب والفلسفة والمذاهب.. هل يختلفان؟! لا عليك سيدي.. كنا هناك.. كنا خاطئَين بطفولة.. بطريقة تتمنى لو كنت إلها لتمنحها الديمومة وتحفظها بعينك من الشيطان الرجيم.. وحين تحدينا بالكؤوس وفقدنا وعينا معا وصحونا بصداع مشترك عرفت أني سألتقيك يوما.. ما لم أعرفه أبدا هو ما بين اللقائين..

وسقطتْ في دمعتها مئذنة

حين اقتنصتُ تلك القبلة في حديقة الجاحظ لم أكن كاذبا.. تمنيت لو أقول لها ذلك.. لكنني بذات الطريقة التي لا أجد معها الكلام ابتسمت ببلاهة فقط.. حسنا.. لاشيء يذكر.. سقطتُ في سوق الأسهم.. ونهضتُ مع نهضة النفط.. اعتزلتُ دول العرب وقضيتُ ليالي الصيف في عواصم أوروبا.. لم أتزوج بعد ولكني لم أعد أخشى أن أمسك بيد فتاة…

ووددتُ لو أنها تختفي…
هل يعقل أني هكذا..؟

من قال إني أريد الحساب..؟
أنا أعيش بطريقة صالحة

طلبتُ كأس نبيذ فرنسي.. ألم أقل لكِ إني لم أعد أشرب عَرَق السويداء.. وابتسمتُ.. كما أني مازلت لا أجيد الدبكة

التقينا في (آخر طلعة) من (مزة الجبل) الحي المرتقية مساربه وكأنها طرقات نحو سماوات دمشق.. ولم أكن أجادلها في الكتاب إلا لأبحر في عينيها الزرقاوين.. كانت تدير متجرا صغيرا يبيع التحف النحاسية والتماثيل المضيئة وأشرطة كاسيتات قديمة وحديثة وكتب مستعملة.. عدت غدا للبحث عن المسرحيات الغنائية لفيروز ووديع الصافي ومصطفى نصري وفردت أشرعتي في تلك العينين.. لا أجد هذه المسرحيات في السعودية.. ابتسمتْ بمكر : ما تعني لك الحدود؟ .. أنا رجل يبحث عن الأفضل ولا أقل.. لعنتني في سرها وتغيرت ملامح وجهها فارتجلتُ الجسر : أخوالي من سوريا.. وتغير كل شيء

لا أدري متى أحببتها.. قبل أن تغني فيروز (تبقى بلدنا بالحمام مسيجة.. ويضحك ع هالعلوات غيم بنفسجي) أم بعد ذلك.. كل ما أعرفه أني لم أكذب.. وأني غدوت النورس الذي يذرع السماوات البحرية كل يوم ويغني.. دون ملل

نزلنا في وسط عمّان.. بقينا في باحة المدرج الروماني ما شاء الله لنا أن نبقى ثم سرنا عبر سوق البلد وضحكنا على كل شيء.. هكذا إذن ننضج.. دعوتها إلى مقهى في عبدون فأدارت وجهها نحوي وقالت بتحدي : بل ندخل أول مقهى نتعثر به في هذا التاريخ الموغل.. تأملتُ في عينيها.. ماتزال جميلتان ولكن ليستا لا سماء ولا بحر.. وأنا بلا أجنحة كما أني لا أرغب في الطيران.. بقية من خفق لم أعد أعرفه جعلتني أهتف : هيا إذن.. أمسكت بيدها وسرنا.. جميلة هي عمّان.. أحببتها.. وسَرَتْ في جسدي قشعريرة.. ما الذي يحل في النساء والمدن التي تحبها؟ ضغطتْ بكفها على أصابعي برفق وكأنها قرأتْ توتري.. هل تغفرين لي؟ قلتُ في سري دون أن أنطق

بعد ثلاث أمسيات وبتعثر تعلمت التحليق مرة أخرى.. بدا أني أتورط في ذاكرة طمرتها الدرجة الأولى في الرحلات الدولية لعدة تلافيف.. كانت المؤتمرات وورش العمل التي تستهلك كل ساعات الشمس تقريبا تشغلني تماما.. لم أعد أشتاق لذلك الشاب الذي لا يكف عن نظم الأبيات.. لكن وجبة العشاء والتسكع في عمّان ويدي تقبض البحر وسماواته كانت وطنا لم أشعر بالحنين إليه لكني أستمتع بدفئه ونبرته الهامسة.. في المساء الرابع عند مشرب الفندق وضعتْ أغنية دبكة على جوالها خلعتْ كعبها بشغب وقالت بصخب (تعا تعلمك الدبكة) ونبت في عتمة المكان زيتون درعا تحفه عصافير الجامع الأموي.. ومن جسدها فاحت رائحة الليمون ورائحة تشبه مقدمات المحلات الحجرية حين يرشها الباعة عند الشروق.. وبعد عدة كؤوس انحنيت على بردى وشربت حتى ثملت.. ثم استلقيت على ضفافه ووددت لو أبكي.. كانت تطالعني بعمق صامت.. ملت برأسي إليها وتماهى خط الأفق بسرابية بين صحرائي وسماواتها.. قلت لها عيناك البحر.. وحلّ صمت ثقيل قبل أن تهمس ببحة: البحر يقتل.. ثم عاد الصمت.. ولم يكن صمتي تأمليا.. كان صمتا بلا تفكير.. سقط برميل بارود في رأسها فبكت بإجهاش وتبللت خصلة الذهب.. رفعتُ الذهب المنسدل ووضعتُ يدي على خدها وكنت سأقول بلا تفكير وبصدق ناصع (أحبك) لكنها تملصت برعب من يدي وحملتْ معطفها الجلدي.. كانت تبكي بحرقة وأنا أعترض طريق خروجها.. لم تكن تسمع شيئا مما أقول وتشيح بنظرها عني دون أن تتوقف السماوات عن المطر.. استسلمتُ لإصرارها حين لاحظت تصاعد ارتجافها.. ولم أنمْ.. لكني لم أقدر على البكاء.. هل كنت أتمنى أن أبكيها أم أبكيني.. فقدت حماستي لعروض النهار وكرافتاتها.. اتصلتُ بها مرات لاتحصى طوال الأيام الثلاث التالية.. وبقيت أكتب في مشرب الفندق ملغيا زيارة البتراء بعد انتهاء أعمالي.. فكرت في تأجيل مغادرتي ولكن ما عساي أفعل.. وماذا سأقول لها لو أجابتني.. لم أكن سأنطق ما يبدو الآن كذبة بعد قليل من التفكير.. توقفت عن محاولة الاتصال بها.. سمّيتُ على الأردن وأهلها.. وصعدت الطائرة

السبت 6 فبراير 2016
الأردن – عمّان

وقتلتُها في نصف قافيةٍ

وغسلتُ شِعري من بقاياها

ما رفّ لي وزنٌ وما ارتعشتْ

كفّي وقد وارت محيّاها

الشاعر الدجّال خلّقها

والشاعر الإنسان أفناها

أتُرى بغير الشِعر تعشقني؟ 

أتُرى بغير الشِعر أهواها؟ 

ما أجمل الأبيات إن جمعت

قلبين عاشا في ثناياها

ما أقبح الأبيات إن خلقت

وهماً لعصفورين قد تاها

الشِعرُ لا يرسو على وطنٍ

أقداره في الريح مجراها

والشاعر المغرور مأساةٌ

هو الذي غنّى وقفّاها

#         #         #

وبعثتُ شِعري مرة أخرى

لابلبلاً متطّفاً فاها

بل بارداً وقحاً يبلّغها

أني ارتحلت ولستُ ألقاها

لا تحتقرني يا صديق دمي

ما كان في الإمكان أنساها

لكن بيوت الشِعر ضيقةٌ

لا تمنح الإنسان سكناها

كل الحكايات التي رُويت

ما نال فيها قيسُ ليلاها

#         #         #

إني قتلتُ أُميمتي فرقاً

من قفلة سوداء أخشاها

وعقرتُ شِعري بعد مقتلها

أنا ما عرفتُ الشِعر لولاها

image

هذا الصباح .. جيء لي بطالبين تشاجرا .. وبالقسوة التي اعتدت عليها أثناء عملي في المتوسطة والثانوية قاطعتُ محاولاتهما للشرح وصرختُ فيهما بالوقوف عند باب الإدارة , وبعد دقائق استدعيتهما وأنا أحمل العصا بين يدي , قرّعتهما بشدة وبصوت عالٍ وأنا ألمح إلى الطرد من المدرسة أو استدعاء ولي الأمر , وحين سألت عن السبب اتضح أن أحدهما داس على يد الآخر بالخطأ أثناء لعبة يلعبانها , كان هذا هو توضيح المتضرر , أما الآخر فقال بانكسار : استاد .. يلعن ابوي وابوي بالمستشفى , ونزّت من عينيه قطرات مائية أمسكها كبرياء طفل يحاول أن يغدو رجلاً فلم تنحدر . وللحظة .. نسيت كل شيء وتعلقت بهذا الشعور الطافح من عينيه الواسعتين . ليس ثمة في الدنيا ما يعادل محبة طفل لوالده تعظيماً وبراءة , هذا الطفل الذي ربما لا يدرك حتى الآن كيف جاء إلى الدنيا .. ربما يصدق ما أخبروه أنه جيء به من المستشفى ولا شيء آخر , هذه المحبة الفطرية التي يفيض بها قلب صادق لم يتعلم بعد ما الكراهية ولا يعرف حتى يومه أكاذيب الكبار وأحقادهم وابتسامات مجاملاتهم الصفراء , هذا القلب العصفور الذي ينفض قطرات الماء عن ريشه ويفرد جناحيه للنسائم وقوس قزح وللدنيا بأسرها يرى في والده جميع الأنبياء وسلاطين العصور ونهاية الحكمة وربما أقوى رجل في الدنيا حتى إذا تحدث عنه لبقية الصبية هتف بطرب (أبي فعل كذا) ويفخم النبرة دائراً بنظره في الوجوه مستقرئاً أثر حديثه . أما حين دخل والده في غيبوبة لا يُعرف آخرها إثر انقلاب سيارته الجيب فإن الطفل شعر أنه فقد ريشه كله وأصبح عارياً في وجه الرياح السوداء . وإذا كان اهتزاز صورتي الآن في عينيه بفعل دمعتين لم تنزلا فإن غيبوبة والده هزت صورة العالم بأسره في مخيلته الربيعية وكان مهما انحدرت دموعه فإن الصورة تبقى مهزوزة . هذا الطفل الذي اعتذر لزميله حين تعثر وتقبل ركلته الثأرية لم يستطع أن يتقبل شتيمة والده الأنبياء السلاطين اللقمان أقوى رجل في الدنيا فانهال على الآخر ضرباً وشتماً وهو لا يتذكر إلا أن أباه يرقد بين الحياة والموت , اعترته انتحارية لا شعورية إذ لا وقت لرتق الريش وعليه أن يقاوم وحيداً هذه الرياح , وحين حوصر وهُدّد دفع بمسبباته بصوت واهن وهو لا يتصور فهماً (يلعن ابوي وابوي بالمستشفى) .. العن من تشاء إلا والدي , ليس لأنه والدي بل لأنه والدي في المستشفى , لأنه حمايتي المطلقة التي انكشفت فجأة , لأنه هرقل الموصول بالأنابيب تقلبه الممرضات من جهة إلى أخرى لا يدري بمن يزوره لا يحضنهم ولا يرد التحايا وانكسرت في قلب الطفل مرآة سحرية كانت تطل على بلاد ملونة كل مبانيها مدن ألعاب وخيام سيرك وأكواخ من الحلوى وتبدّى الجدار خلفها قاتماً أصمّا . لو أن الدمعتين كانتا من قبل لظننتُ أنهما بقايا الشجار لكن العصفور الذي حاول تزييف الريش فشل وخرجت دمعتاه مع آخر حرف من جملة (وابوي بالمستشفى) , وأنا ..؟ أفقدتُ غضبتي وملامح الصرامة لأني أبٌ حديث أم لأني كنت ومازلتُ إنسانا ؟ , للحظة .. شعرتُ بارتجافة شفتي وشكرتُ للكبار نعمة البكاء الداخلي وتبديل الأقنعة . كنتُ قد غفرتُ لهما مباشرة ولكني لم أسمح لهما بالذهاب إلا بعد انتزاع الوعود والكثير من التهديد والتأنيب وإن جاء بنبرة أبوية حنونة .. بقيتُ واجماً لدقائق وأنا أكتشف صعوبة العمل الذي تصورته سهلاً , العمل الذي يعيدك في عيني طفل لمشاعر تعودنا أن تأخذنا أعمالنا بعيداً عنها , استحضرت عينيه وعبارته .. وارتعشت شفتي .

image

يداهمني هاجس الاعتقال ويترك في نفسي الرهبة وأنفلت من الاستجابة وتلقائية التصرف إلى التفكر العميق في ماهية الحياة وسر محركاتها .. نحن نحيا لعبادة الله هكذا يتفق جميع المسلمون وربما السماويون في العالم وعبادة الله ليست في الركوع والسجود فقط بل هي في عمارة الأرض بقيم العدل والحرية والمساواة وهي الجانب الذي استخلفنا الله في الأرض من أجله .. أما الشعائر الدينية فهي لمنح هذه القيم التي هي هدف بحد ذاته منحها جانب الإلهام والاحتساب والنصرة المؤجلة والإنصاف المطلق .. فالعادل المتدين أشد أزراً وأمنع عن الحزن والكآبة وربما الانقلاب إلى الضد من العادل الملحد .. ولهذا تبنت النظريات الأخلاقية في العالم الملحد مآلات في الحياة الدنيا هي المآلات ذاتها التي ينتظرها المتدين في الحياة الأخرى ..

التعامل مع الحياة الدنيا على أنها الاستمتاع بما توافر لك والابتعاد عن مواطن الخطر هو تسطيح بعيد عن الأخلاق .. التعامل مع الحياة الدنيا على أنها مكسب بحد ذاتها يجب الحفاظ عليه هو عبث لا منطقي في ظل الاحتمالية القائمة مطلقاً لنهايتها بالنسبة إليك ربما بعد لحظات .. الهدف والمغزى والمعنى هو ما يجعل لحياة المرء جدوى .. إذا كانت حياة المرء لعمارة الأرض وفق قيم العدل والحرية والمساواة فحياته حياة رائعة وهي مكسب للبشرية ولكني لن أقول يجب الحفاظ عليها لأنها للأسف ستنتهي في كل الأحوال ..

وقعت على ثلاثة عرائض لمطالب تهدف إلى إصلاح البلد وتجنيب أبنائه سوء الاحتمالات القائمة .. ولستُ نادماً على ذلك .. أريد أن أتحرر من هذا الثقل الأخلاقي .. أريد أن أسجل نقطة لصالحي أمام الله وأمام ابني وأمام مستقبل البلد .. أثق أن القيم النبيلة تمنح المآلات الجميلة

image

استعضت عن أحلامي المبتورة بملاءات الزنازن الفردية وحاولت أن أخفق .. تصورت أن هذا الريش المنتوف ليس لجناحيّ وحاولت أن أغرّد .. الأصيل اللافح لا يليق باشتهاء أنوي تزويره .. جمعت الهواء في رئتيّ وهبطت بصدري على شوكة نافرة .. وحين بلغت الانتشاء احتضاراً صرخت .. ومتّ جدباً

image

الرياض .. الثانية صباحاً .. طريق الملك عبد الله .. زعيق linkin park : I’ve become so numb .. أشارك في الزعيق : I’ve become so numb .. أزيد في السرعة .. لم أعد أخشى الرادارات .. ربما وددت في سري لو يحجزني المرور في الناصرية فتفوتني الرحلة .. لم أعد أدري ما أريد فعلاً وما لا أريد .. هل أستطيع فعلاً أن أكون numb ؟ .. أعيد الأغنية منذ البداية .. أستحضر كل إساءات المجتمع وأغني :
I’ve become so numb I can’t feel you there
Become so tired so much more aware
I’m becoming this all I want to do
Is be more like me and be less like you

الرياض .. الساعة الثانية صباحاً .. تبدو أجمل بدون زحام .. ولكن الغطاء المنحسر عن فخذها لا يغويني .. كنت أحاول فتق الفجر وحين لم أفلح قررت فقط الرحيل عن الظلمة .. وضبت حزني وألمي وتركت عامداً غضبي .. تركته يهتز بتشنج كسمكة أخرجت من الماء .. أحببته جداً .. اعتبرته دائماً درعي الذي يقيني محاولات الوصاية .. الآن لا أحتاجه .. ليس بعد الآن .. سأتخفف من كل رواسب الماضي .. سأتعرى تماماً .. سأكون أنا .. أنا فقط .. all I want to do is be more like me and be less like you

أخرج الاسطوانة .. أضع اسطوانة أم كلثوم .. تهمس (أقبل الليل) .. فتعتريني رعشة لا أدري من أين .. أطفئ جهاز التسجيل .. فأدرك من صوت السيارة كم كنت مسرعاً .. أخفض سرعتي .. يا لهذا الحزن يا أم كلثوم .. كم طال ليلك حتى غنيتي (أقبل الليل) و (هذه ليلتي) و (ألف ليلة وليلة) .. أتراه أطول من ليلي .. أم أطول من ليل هذه المدينة .. أم بحثتِ فقط عن إثارة أشجان الجمهور لتكسبي أكثر .. وهل ما يقبل فعلاً هو الليل ؟ .. لست أدري .. لم أعد أستطيع الفهم .. شوهتني هذه الرياض .. بشّعتني .. ما كنت أستطيع العودة إلى قريتي .. كنت كإناء فخار جف مشوهاً .. سينكسر لا محالة .. رياض .. ولا رياض .. سوى أكوام الإسمنت والحديد التي انعكست على أخلاق أهلها ومبادئهم .. تعمدت قبل الذهاب إلى المطار أن أسير بشكل مربع كبير .. من الدائري الشرقي إلى الجنوبي إلى طريق الملك فهد ثم طريق الملك عبد الله .. أسلك طريق المطار وأتركها خلفي .. مدينة لا تسمع الشِعر .. عصافيرها لا تشرب الحليب .. وجداتها لا يروين الحكايات الخرافية .. مدينة من صفيح .. لا أكثر من صفيح ..

ثلاث ساعات متبقية على الرحلة .. بوابة المطار الخرسانية جافة وصلدة .. زخارفها كئيبة وخالية من الفن .. وعلى بعد خطوات من العسكر تنمو الأزهار حزينة .. اغتصبوا حريتها ووضعوها هنا .. حيث لا تنتمي .. مثلي تماماً .. من وضعني هنا ؟ .. لا أحد .. بالتأكيد ليس أنا .. ركنت سيارتي في الأقبية الباردة وودت لو أبكي .. التوحش يخربش في داخلي كقطة مذعورة .. ولكني لا أستطيع البكاء .. numb ؟ .. لا أدري فعلاً أأنا أحاول ذلك أم أكابده .. السيارة المركونة بشكل عشوائي لا تعنيني .. والمفتاح الذي تركته بداخلها لا يعنيني .. أحرق الحقل وأمضي خلف نبوءة أي عقرب بوصلة يشير إلى أرض تستزرع .. لولا فقط قرع خطواتي على هذا الصلد لكنت أكثر تماسكاً ..

لم يعد أي موظف يثير سخطي .. أطالع للأعلى وأتأمل المثلثات المفغورة وكأنها دموع آلهة جفت هكذا .. أسحب حقيبتي خلفي وأنا أرى الكثير من الأشياء والأماكن واللحظات تتساقط على طول مسيري .. ولكنها يا للعجب لا تثير أي عابر .. وعلى المقاعد المتجهمة أخرجت الباكيت المكتنز .. أشعلت سيجارة واحدة ورميت الباكيت والولاعة .. للمرة الأولى أترك التدخين بصدق دون الحاجة إلى قطع وعود .. جميل أن تحترق .. أن تحرق بقية الحقل في داخلك .. أن تستنشق هواء الحرية مهما كان فاسداً .. ومهما كان بارداً وغريباً عن صباحات فيروز .. علك تستفيق على كائن هو أنت بلا تشوهات .. ربما تجد فيه المواساة التي تحتاج .. لا أجزم بذلك ..

في صالة الانتظار يغني وديع (عندك بحرية .. يا ريّس) ولكن الإيقاع لا يلائمني .. يختفي الصوت .. يهتف عبدالحليم (سافر .. من غير وداع .. من غير وداع .. من غير وداع) يكررها ثلاثاً ويطيل نَفَس الأخيرة .. أتوتر وأشعر برغبة في تدخين سيجارة ولكني بلا باكيت .. تتسلل نجاة بصوتها (سافر من غير معاد .. ولا إني أودعك) فتعاودني الرغبة في البكاء .. ولكني مجدداً لا أستطيع .. ألقي برأسي بين يدي أغمض عيني .. ومن مساحات العتمة وتقاطعات الومض تتشكل تدريجياً صورة فتى أسمر حزين .. حين قال للمعلم (أستاذ .. الضرب ممنوع) ضربه بدوره دون أن يعي هذا الصبي جريمة الكلمة .. إعلان الموقف بطفولة ومحاولة إصلاح الكون .. منذ ذلك الحين لم تتوقف العصي عن جلد ظهره وضميره وواقعه .. وكان صمته حين يخشى هو أقساها وأكثرها استنزافاً لرصيده من احترام ذاته .. الصوت عبر المكبر يعلن عن خفقانه وهاهو يقف باعتداد يشد ظهره ويمضي بخطوات ثابتة نحو البوابة وقد ترك عامداً حقيبته على المقعد ..

وكنت أهم بصعود الطائرة حين تذكرت موعد أمي مع طبيب الأسنان .

image

المقاهي الغارقة في الضجر والأغاني العراقية وصراخ المراهقين لطالما احتضنت حزني .. لطالما منحتني الشِعر والكتابات الانثيالية .. في أبخرة معسلها تبخرت وتشتت وتلاشيت وعدت منهكاً كل مساء يستطيع النوم ..

علاقتي بهذا الأثاث المتسخ والصراخ بطلب الجمر اقتصرت على المساءات التي أشعر فيها بالوحدة والغربة والتوحش .. ويا لكثرتها في حياتي ..

رحلت حبيبتي .. تركتني مع مكانها الخالي في السرير وزجاجة عطرها بقرب المرآة .. وتريد مني أن أنام دون أن أدخن غيابها .. دون أن أسعل بفقدها .. رحلت حبيبتي ويحق لأحزاني أن تتخثر ببعض النيكوتين حتى يخف خفق الأشباح فوق رأسي ..

لو تعلم تلك الغائبة بأهرامات الحنين المكدسة في أضلعي .. لو تدري بقرب الحيطان من صدغيّ .. لحقنت أرجيلة في وريدي وقالت : مت سعيداً على الأقل حين لم تعش سعيداً ..

============================================================================

هذا التضاغط والتخلخل المتتالي في حياتي مرهق حد الموت اختناقاً وانزكاماً في آن واحد .. حشر الأيام الطوال في سويعات قليلة يبدو حلاً ثانياً ولكنه بعد التجربة غدا أزمة أخرى وعقدة أخرى في تلافيف دماغي المثخن .. هل كان يمكن أن أقف قبل هذه المحطة ؟ .. كل المدن كانت موصدة وأنا كنت بحاجة إلى بطاقة هوية فرجال الجمارك لا يعترفون بشيشتي .. الواقع أني مازلت بحاجة إلى بطاقة هوية ..
على كشك الأحلام أخرجت يدي من جيبي ودفعت كل ما تبقى من مرتبي .. وحين لم يكف المبلغ اتفقنا أن آجره ثماني حجج فإن أتممتها عشراً فمن عندي .. وابتعت احتمال .. قلت مازحاً: (ربما تأتي مكرمة ملكية بتكرار الحج أكثر من مرة في العام الواحد) فضحكت النجوم في السماء .. كان الكون قد بدأ يغدو أكثر جمالاً .. وكنت أغدو أكثر اغتراباً .. وعثاء السفر في فؤادي لم تُمسح بعد .. الغبار مازال يغطي جبيني .. وشَعري هو هو الغير مسرح .. تصورت أن جبيني بالسجود سيغدو أقل تعاريجاً ولكنه….. الغبار ..لعنة الله على الغبار ..
ومثلي ولد بملامح لا أستطيع معها تزوير بطاقة هوية .. بعض المدن أغلقت أبوابها وأنا خائف وأريد أن أنام .. رويداً رويداً يثقل النبض وتقل حرارته والنجوم لم تعد تضحك .. حتى إني توقفت عن المزاح ..
الأجساد التي دفنتها كي أبني مدينة بدأت تظهر رؤوسها وكأنها بذور ينبتها القحط .. صراخ الرؤوس النابتة لم يعد يثير حزني ولكني بحاجة إلى النوم ..
تضاغط .. تخلخل .. تضاغط .. تخلخل .. تضا……………..

==========================================================================================

وهذه المقاهي
دائمة الضجر ..
تستل من ذاكرتي عود ثقاب ..
وتضرم الكآبة الشوهاء في مشاعري

وهذه المقاهي
في ساعة السحر
وادعة ُ أنفاسها كهدأة المحراب ..
وترسم القلوب والأبيات فوق دفتري

وهذه المقاهي
صناعة الخدر
ترسلني غمامة بيضاء من تراب ..
فألمح الكون قد استحال تحت إظفري

هنا بكيت ُ ..
ها هنا اغتربتُ ..
هنا احتميت ُ حين ضجّ الكبت ُ ..
هنا بكوتشينة أقداري لعبت ُ ..
هنا أكلت ُ .. وهنا شربت ُ ..
وها أنا .. مازلتُ هاهنا

في هذه المقاهي
مضى بي العمر ..
أقصدها إن عمّني اغتراب
وماتزال غربتي كامنة في محجري

=====================================================================================

ما أبقت لي الدنيا سوى هذا النيكوتين يرف في دمي .. صاحب القيم يقول أفلستُ وبقيت لي قيمي أنا خير ممن أفلس وفقد قيمه .. وهو في الحالين مفلس ..

أفلستُ .. خيولي خسرت .. إيماني خسر .. أنا خسرت إيماني .. المؤمنون دائماً يخسرون .. وأكثر من مئة ألف نبي لم تذكرهم الكتب السماوية خسروا كل شيء وماتوا بحسرة ..
{ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون} .. أستغفرك اللهم وأتوب إليك .. لم أعد أعلم شيئاً .. كل الأمور التي أكون متيقنا منها لا تحدث .. أنام مساءاً متيقنا من أني سأصحو غداً في رجاء بأن لا أصحو .. والمصلحون يروون حكايا الناجحين وبداياتهم البائسة ولكنهم لا يروون حكايا المفلسين .. حتى التواريخ الفردية لا يكتبها سوى المنتصرون ..

جبيني مازال مغطى بالغبار .. وبطاقة الهوية لم أعثر عليها بعد .. أعود إلى المقهى كنفاية حرثها بنغالي بحثاً عن علب فارغة وتركها مبعثرة .. بشتات يهودي وحزن صعلوك .. أين ذهبت نبوتي .. ولِمَ انقطع الوحي .. جمر يا محمد .. من يدري .. ربما لو سعلت أكثر ستخرج اغتراباتي بهيئة قطع لزجة أتحشرجها لثانية ثم أبصقها وأتسامى مع الأبخرة ..

image

يفاجئك المطر في بتايا فتدخل أقرب بار خامل .. تندس فيه كجرذ خائف وترشف الاطمئنان من كؤوسه .. تحكي مع الفتاة خلف المشرب .. تعلمك لعبة محلية فتقضيان الساعة القادمة بين نرديها .. تريك صورة طفلها وأنت تمتدح جماله وتقيس طول ابتسامتها .. وتتحدثان .. لا أحد في البار الخامل في هذه الظهيرة إلا أنت وهي والخمر .. المطر في الخارج توقف وأنت لا تخرج

في بتايا .. لا يحتاج المطر إلى موعد .. يأتي كبديهة طفل .. ويرحل كذلك .. وهي تغتسل دائماً ولكنها بلا خطيئة .. فخذاها المفتوحان مجرد عمل وهي تؤديه باقتدار وخدمة الخمس نجوم

وقفتُ في وسط الشارع ورفعت رأسي إلى السماء فاتحاً فاي .. أريد أن أعرف ما طعم هذا المطر .. ولكن رائحة التبغ في فمي أجفلته فبدا غريباً

كل فتاة حاورتني امتدحت اسمها ثم لم أتذكره بعد دقائق .. تكفي الموسيقى هنا .. الإيقاع فقط .. وأنت تهز ركبتك وتعرف الخطوة المناسبة ولكنك تنسى الأسماء .. أنت دائماً ما تظن أن أسمائهن كوجوههن .. متشابهة

ثلاث نساء أحببتهن في بتايا .. حسناء الماركت التي تبيعني ساندويتش التونا في الخامسة فجراً .. والسيدة العجوز التي أرتمي عندها في كل نهاية تسكع مع آخر النهار .. أنهار على الأريكة متعباً وأدخل في غفوة بينا أناملها نافرة العروق تبحث عن خطوط الطاقة بين أصابع قدمي .. حتى إذا انتبهت بعد دقائق رأيت وجهها المتغضن بين قدمي فكدت أنزلهما عن الأريكة معتذراً ولكنها تؤدي عملها مبتسمة وتكمل المساج ..
المرأة الثالثة لا أعرف ملامحها .. رأيتها أكثر من مرة في آخر الرواق ولكنها لا تدخل غرفتي حين أكون موجوداً .. أعود من الخارج فأجد أنها رتبت الغرفة بشكل يخجلني ويزيد من حبي لها .. وأنثر الفوضى مرة أخرى

أعظم شعور اختبرته في بتايا هو المسير أثناء المطر مع فتاة تحمل مظلة .. أن تضع يدك حول خصرها وبعض من شعرها يرقص فوق خدك .. وتهربان من حوافر المطر

والحديث عن المطر في بتايا .. تلك الحسناء التي تغتسل دون خطيئة .. وكأنما يأتيها المطر زبوناً يدفع لها ثم يرمي قطراته في جوفها ويسافر مرة أخرى ككل الزبائن

وكنت أنا النادرة التي عصرت دموع الضاحكين حين قلت بأني لم أمارس الجنس من قبل .. قلتُ إني (أعذر) مذكر عذراء فلم يصدقني أحد .. وبعد أن تيقنوا من صدقي انفجروا بالضحك والتعليقات .. بعد قليل سألتني فتاة باستغراب صادق (لماذا جئت إلى بتايا ؟) فهتفت : من أجل المطر

حاولت طوال إقامتي فيها أن ألتقط لها صورة مثيرة .. ولكن هذه الحسناء لا ترتاح على الأريكة

ومع كثرة الباعة المتجولين لا تعود تنظر إلى بضائعهم .. حتى جاءتني طفلة جميلة تبيع وروداً حمراء .. فابتعت واحدة اخترتها بعناية .. وقبل أن تنصرف الطفلة استوقفتها ومددت لها الوردة بطريقة مسرحية وأنا أتمنى بالفعل لو أقبل جبينها .. همست في أذنها : بيعيها مرة أخرى .. وكانت الطفلة سعيدة .. وكنت أكثر سعادة

وقطرات المطر تنحدر .. تجرف عن جسدها ملح البحارة ولهاثهم خلف أذنيها .. وتنام هي بسلام

image

كتبت قصائد مستأجره
لزيد وعمرو ولعنتره

فخاضوا الفتوحات ثم مضوا
فأفسدوا الكحل والمسكره

وما انطلق السهم من جعبتي
لكلٍ من الذنب ما استوزره

أصوغ الحصان أزينه
فتُقلب طروادةٌ مقبرة

وتغرق عذرة أحزانُها
فمن أين ألتمس المغفره

أمن خفقة الحب زورتها
أم الكلمات أم المحبره

أم الورد داسته أقدامهم
ضميري تمنع أن أسكره

        ****

صديقي هل الذنب أجنحتي
وما كنت من ينقر الثمره

أم الذنب ذنب مروءاتهم
أم الشِعر من ذوب السكره

أم الليلكات تدلت لهم
ومالت على شهريار الشره

أنا لست إلا ضمير فم
تعذب بالحب إذ زوره

ينوء بذاكرة قد دمت
فكيف ستلتئم الذاكره

إذا قتل الشِعر طروادةً
إذاً قتل الشعر ما أكفره

image

بسم الله الرحمن الرحيم .. أنا المواطن مبتلى بن حر الوطني .. ولدت بقرية دعة في هذا الوطن الجميل .. أكمل تعليمي الجامعي والتحقت بالعمل .. وطوال حياتي لم أدخل دائرة شرطة ولم أحدث أي جناية .. أثناء دراستي الجامعية التحقت بعمل مسائي ما جعلني لاحقاً أهتم دائماً للإنتاجية ولا أهتم لأي بيروقراطية أو شكلية .. في عملي الحكومي أحدثت تغييرات جيدة قياساً بمكانتي الوظيفية وقدرات مركزي ..

 

قبل عام تزوجت فتاة جميلة من قريتي وعشنا معاً حياة لذيذة لا يكدرها شائب .. وقبل ثلاثة أشهر ذهبت مع زوجتي إلى السوق ولم أستوعب إلا بعد دقائق أني متورم العين متألم الأضلاع وأني في الصندوق الخلفي لجيب الهيئة وفي رأسي ترن كلمة بذيئة وجهها رجل الهيئة إلى زوجتي (يا …….) ..

 

بعد التثبت وتفتيش جوالي وحضور والد زوجتي إلى مركز الهيئة خرجت بمجرد تعهد بعد محاضرة طويلة ومتكلفة الخطاب حول الأسواق وما يحدث فيها لولا يقظة رجال الهيئة ..

 

وكأي إنسان حر لم يكن ما حدث ليشعرني بالرضى .. ولم أستطع بعده النوم أو العيش كإنسان طبيعي وأنا أتذكر كلماتهم من بين فلاشات لكماتهم التي أومضت داخل عيني طويلاً ..

 

ولأننا لسنا في غابة .. وهناك دائماً من يأخذ لك حقك بالقانون .. ذهبت إلى مركز الشرطة لأتقدم بشكوى فأحالوني إلى المحكمة وببيروقراطية طويلة أنتم في غنى عنها تم تقريعي في الختام لادعائي ضد الهيئة مع أنها ضبطتني في خلوة غير شرعية وتركتني بعد المناصحة وتعهدي بعدم تكرار ذلك مع ستر الفتاة بما يجعلها مجهولة الهوية حتى في محاضر الهيئة نفسها ..

 

نعم إن القانون لا يحمي المغفلين .. ولكن اعذروني فأنا مواطن بسيط ولم يكن يدور في رأسي تحت الضرب والسباب والبدلة العسكرية للجندي المرافق وبعد الاعتقال دون جريمة ولا حتى شبهة جريمة وبعد الإيذاء الجسدي والنفسي المجرّم في قوانين الدولة لم يكن يدور في خلدي أني أستطيع رفض التوقيع .. تستطيعون إدانة غبائي القانوني ولكنكم لا تستطيعون الحكم بموضوعية على موقفي ما لم تكونوا تحت الظروف نفسها ..

 

توقفت هنا .. لم أستطع مواصلة حياتي .. ربما شخص يشبه ملامحي ولكن بكبرياء مسلوب إنما ليس أنا .. حاولت استعادة ذاتي ولو بالموت في سبيلها .. أن أشعر أني إنسان حرّ من جديد يستطيع النظر في أعين المارة والمراجعين ويستطيع النظر في عيني زوجته .. ولا يهم بعد ذلك ما يحدث .. كانت الخامسة فجراً وما كنت أستطيع النوم حين قررت وبمنتهى المسؤولية وسبق الإصرار والترصد أن أنتقم .. وستبدؤون من جديد بإدانة فعلي ولكنكم لا تعيشون بجرحي الراعف .. لم يكن قراراً انفعالياً .. فقد أبقيته ليومين محل الدراسة والمراجعة .. ولكن المعادلة جد بسيطة .. لن أستطيع إعادة الوقت وتجنب ما حدث ولكني أريد تصحيح الوضع القائم واستعادة ما فقدته .. كان من المخزي والمهين أن تصفعني الهيئة وتقذف زوجتي لأولول في الإنترنت وأنوح كرامتي للصحف المقروءة .. تذكرت عبارة في أحد أفلام الكارتون (المشاكل البربرية تتطلب حلولاً بربرية) ..

 

اشتريت مسدساً وأربعة مخازن ذخيرة وكمية من الرصاص .. لم أحسب أن شراء الممنوعات بهذه السهولة .. كما لم أحتج إلى تدريب على سلاح أجربه للمرة الأولى .. يحتاج السلاح إلى دافع فقط لتجيد استخدامه بالبديهة .. قبضت السلاح بيد ثابتة و……. حسناً لقد قرأتم الصحف قبل أيام .. بعد استسلامي المباشر لرجال الأمن أخرجوا تسع عشرة جثة من مركز الهيئة .. اثنتان للأسف عادتا للحياة تحت الأنابيب والأمصال ..

 

ما الذي كان بالإمكان فعله ؟!! لم يكن لدي المال الكافي لتوكيل محام .. ولم يكن لدي الأمل بعد ذلك بالاقتصاص ممن اعتدوا على نفسي وجسدي وعرض زوجتي .. فحتى السيدة التي كان لديها كل ذلك لم تحصل على النتيجة التي تعيد لها ما سلب منها بعد أن اختطفت مع ابنتها وأرعبت وأتلفت سيارتها دون ذنب .. لم تظفر بشيء رغم أنها ملكت مال المحامي وموقفاً قانونياً أفضل والأمل في القضاء والوقت الذي جاوز بضع سنين في المراجعات القانونية والروتين القضائي .. تعرفون قصتها جيداً فقد تداولتها الصحف طويلاً قبل أن تنسى في ركام القضايا ضد الهيئة ..

 

سيقول مناصروا الهيئة بأني كنت سكيراً وقت الحادثة وأني معروف في الأوساط الاجتماعية القريبة بالعهر والفساد وتعاطي المخدرات .. وسيقول أرحمهم بأني ضحية مغرر به من قبل الإعلام المضلل ورواد السفارات الغربية متخذاً الحدث فرصة ليطالب بمنع نشر الروايات المكذوبة على الهيئة في صحفنا المحلية .. وسيدين الليبراليون الاقتصاص الشخصي مطالبين بكف أيدي الهيئة وحل جهازهم .. سيحاول الكل امتطائي قبل أن يطير السياف عنقي .. ولكن لأقل لكم بصراحة فلم يعد لدي ما أكذب بشأنه .. لا أهتم لكم ولا أهتم لهم ولا أهتم لما يقال وما سيقال عني .. أنا مواطن بسيط ليس لديه أي انتماء فكري .. راودتني الأحلام نفسها التي راودت الصحويين والليبراليين وأطياف المجتمع الفكرية .. تمنيت أن أرزق بأبناء وحلمت بشراء منزل ولم أستطع منع ابتسامتي حين تصورت نفسي في عيد زواجي الخمسين أقبّل زوجتي ..

ما كنت ثورياً أو منتحراً ولا طالب موت .. بل إن فكرة الموت ترعبني الآن وأنا أحاول تناسيها .. ولكني لم أكن لأغير ما فعلت لو استطعت العودة .. إنما أنا رجل حر كما خلقني رب السماوات والأرض .. أعيش حراً .. وأموت إن لم يكن إلا الموت امتداداً لحريتي ..

 

لست رجل قضية ولا صاحب رسالة ..كما أني لست متعنتراً أو شخصاً لا سويّ .. إنما أنا رجل يطلب السلام الداخلي بالطريقة الوحيدة المتاحة بعد أن استلب منه و…….. كفى .. لا شيء آخر .. أراكم لاحقاً عند من حرّم الظلم على نفسه وحرّمه على عباده ..