You are currently browsing the category archive for the 'نقد اجتماعي' category.

قلتُ لأخي الأكبر: أنت لو عشتَ في قريش لما صدّقتَ بمحمد ولرجمته بالحجارة مع الراجمين.. قال: ولأني أرفض إطالة الشَعر ترى بأني لم أكن لأسلم.. قلت: الأرضية في التعاطي مع المتغيرات واحدة.. من يرفض إطالة الشَعر لما تشكله من خروق للعادة فرفضه للإسلام في قريش أولى إذا الارتكان إلى الموروث وكلام الناس وشرع القبيلة هو الذي يرفض المظاهر الجديدة ويصر على عبادة الأوثان.. هتفَتْ أمي بحرقة: التمسنا منك نصحاً لأخيك الصغير فإذا بك تؤيده.. دار في رأسي حديث كثير عن المتغيرات الثقافية والتعاطي معها.. ولكني حاولت التبسط.. قلت: لأنه يطيل شَعره فهو لن يدمن المخدرات ولن يسرق أي سيارة.. هو يحقق ذاته ولو في شيء وهمي ولكنه علني.. الخطورة هي في المجاراة الظاهرية مع تحقيق الذات في أشياء سرية.. هو على الأقل يخوض في مباحات مدنية.. قالت بضجر: كل عيال الناس لم يطيلوا شَعرهم ولم يدمنوا المخدرات.. لم أشعر برغبة في إكمال الحوار نفسه الذي يستدرجه في كل مرة مسبب مختلف.. توقفتُ عند هذا الحد.. كيف ستعلم أمي الطيبة عن الدهاليز السرية لإفشاء الرغبات.. كيف ستعلم عن الوجوه القبيحة التي تتجرد من أقنعتها الاجتماعية لتمارس انفجار الضغط بصورة سلبية.. كيف ستعلم عن ممارسات السعوديين في الخارج حين يتواجهون مع ضمائرهم دون مجتمع مطبق كجرس كنيسة على رخام.. المجتمع الذي علمهم ذلك بمقولة (ديرةٍ ما تعرف فيها أحد……………………….) علمهم أن الرقابة هي للمجتمع فقط وليست لله أو للرقابة الذاتية..

كنتُ أمارس رياضة الجري على محيط جامعة الأمير سلطان وعيون الجميع تطاردني ككائن فضائي هبط بطبق طائر.. إلامَ تبحلق أيها المجتمع اللواطي السحاقي الدجال.. ليس لدي ما أخفيه.. هذه الفانيلة بلا أكمام هي أقصى أستاري.. وهذا الوشم بهيئة فأس على عضدي هو وشمي أنا لا وشمك أنت.. اخترته بهذا الشكل لأكسر قيودك وأشرئب بعنقي لأتجاوزك بحثاً عن هواء نظيف.. أضع السماعات في أذني وأرفع صوت evanescence أصرخ معها بنَفَسٍ أقوى bring me to life ووشمي يجتذب نظرات الاستهجان كمغناطيس ملقى في برادة حديد.. وربما التعليقات السخيفة من نماذج مثالية وفق هيئة المواصفات والمقاييس الاجتماعية.. نماذج تأتي إلى الممشى بكامل هندامها الرسمي.. تحمل الجوال بيديها الاثنتين تبحث عبر البلوتوث عن الأسماء النسائية.. وتلاحق الفتيات بوقاحة مطلقة.. هكذا تريد لي أن أمارس الرياضة أيها المجتمع !!؟ (…….you).. أشعر بالخزي.. أشعر بالعار منك.. أشعر برغبة صادقة في الاعتذار لكل الأجانب في الممشى.. أمامي مجموعة شبان أنيقي الثياب محجري الغتر محجري الفكر والأدب تشخص أبصارهم معاً إلى سيدة عربية تمشي برفقة زوجها.. تلتفت رؤوسهم معاً وكأنهم يتابعون كرة مضرب حتى تتجاوزهم السيدة وزوجها.. يا للصفاقة.. يا للصفاقة.. وهناك سيارات مضاءة المقصورة محملة بفراغ تام وأجساد ضخمة تمشي الهوينا وتلقي الكلمات البذيئة على أسماع الفتيات.. أريد الاستيقاظ في كوخ قش على جزيرة وحيدة في المحيط.. همهمة الأمواج الخافتة لا أحتاج معها إلى جهاز تسجيل.. وحفيف النخيل الاستوائي أجنحة تحلق بي إلى السماء.. والتضاريس العذبة للجزيرة أقرأها فأنسى كل قصائد بندر بن سرور.. أغمض عيني.. أفتحهما.. مازلتُ هنا.. على الممشى.. الشباب المتهندم يطاردون الفتيات ونظرات الاستهجان تلاحق وشمي.. أجري بغضب.. أجري.. أنا سعيد عويطة.. وأنتِ ياevanescenceء.. bring me to life.. وهؤلاء كلهم سيبقون مطمورين في قبور أجدادهم.. هربتُ من أجداثهم لأول مرة إلى عواصم عربية.. وهناك رأيتهم على حقيقتهم.. بالحشف وسوء الكيلة.. أعراب جاؤوا من الجاهلية بالفظاظة نفسها والرؤوس الحجرية نفسها.. ولكن بعد أن تركوا أخلاقهم ومروءتهم.. صرتُ أبحث عن أي بلد غير عربي أسافر إليه كي لا أشاهد مخرجات مجتمعي.. بلد لا يعاملني أهله كرغبة جنسية في جيوبها نفط كثير.. أعتذر إليهم بأدب وأعذرهم وأنا أشاهد ملتحٍ سكير ينثر ما يوازي الدخل الشهري لأسرة من الطبقة المتوسطة على نهدين يحاولان الانعتاق.. تمنيتُ لو أستطيع نقل المشهد إلى أمي.. هؤلاء هم (عيال الناس).. وهؤلاء من تريدين لأخي الصغير أن يصبح مثلهم.. أمي البسيطة الطيبة التي لا تتحدث إلا بالقرآن وتكذب انقسام المطاوعة على أنفسهم.. تقول: لا صحوة ولا جامية ولا تبليغ إن هي إلا أسماء سميتموها.. فأبتسم بمرارة وأنا أتذكر خطبة الجمعة الأخيرة.. استمر الخطيب الجامي كما علمتُ لاحقاً لأربعين دقيقة في كيل الشتائم وصب اللعنات على جماعة التبليغ.. منابر الجمعة أضحت نطعاً لسلخ الجميع.. المفتي يسب شيخاً إسلامياً.. الجامي يلعن التبليغ.. وآخر يقذف عرض وزير.. ورابع يسب الإعلام وأهله ويدعو عليهم بالويل والثبور.. يخيل إليك أن هذا المجتمع استوى بصورة تامة حتى انقسم على نفسه ثم تدرك أن خطبة الجمعة معزولة عن سياقها الديني الأخلاقي وهي مجرد نتاج لهذا المجتمع العفن.. يتفنن الخطباء بكل ألفاظ الهجوم على كل الجهات ويتركون واجبهم التوعوي الأخلاقي وما بعث نبيهم إلا ليتمم مكارم الأخلاق.. أدراج الأحذية على أبواب الجوامع فارغة بينما تتناثر الأحذية بعشوائية وكثيرٌ منها يتجاوز العتبة إلى داخل الجامع.. السيارات المركونة كيفما اتفق والتي تغلق كل الشوارع حول الجامع لا يمكن أبداً أن تنبئ إلا عن تخلف شديد يفضح الفشل الذريع لخطباء الجوامع.. هذه الجمعة.. اللهم العن اليهود والنصارى.. الجمعة القادمة.. اللهم العن الروافض الكلاب.. الجمعة التي تليها.. اللهم العن أهل الصحافة وأذناب السفارات الغربية.. ثم.. اللهم العن أسرة طاش ما طاش.. و.. اللهم العن جماعة التبليغ.. وليس آخراً.. اللهم العن الشيخ فلان.. آآآه الآن أدرك لماذا لا نستطيع تسجيل أي تقدم على أي صعيد.. لأن القيادات الدينية التي يؤمّن العامة خلفها ببلادة تمارس الهدم بامتياز ولا تجيد رفع أي لبنة.. دعاء واحد لا يستطيعون الجهر به.. اللهم العن السلطان.. أفكر ماذا سيحدث في السعودية لو زالت وزارة الداخلية.. السنة سيقتلون الشيعة ثم سيقتتلون فيما بينهم.. النعرات القبلية سنصبح معارك طاحنة.. المشايخ سوف يقتلون بعضهم.. والجماعات الدينية ستتقاتل حول الكعبة.. ولكنهم جميعاً -وهذه هي المفارقة المبكية- لن يشنقوا أي إقطاعي يهودي يمص دم الشعب..

يمه .. خلوا اخوي على كيفه

ضوضائهم تصيبني بالغثيان.. ولون الطاولات الأخضر الباهت ينضح بكآبة طافحة.. بقايا الزينة المتهدلة تلتمع كأحمر شفاه على شفتي غانية.. هذه الزينة التي لا تستمر لأكثر من أسبوع يتم خلاله اختيار أجمل فصل في المدرسة لتصبح لاحقاً تجاعيد مشينة بعد تمزيقها والتراشق بها في الفسح مع تشبث أطرافها بحائط مبقع بوسائل تعليمية تحمل من ذكريات الشِلل المتعاقبة وتشجيع الهلال والنصر والإتحاد وعبارات الفخر القبلية أكثر مما تحمل من العلم.. فتحات المكيف المفغورة دون أسنان هي مثار خصومات على أنفاسها الباردة لا تنتهي في كل فصل إلا بتحطيم كامل أسنانها كتسوية تبدو عادلة ولكنها تصب في صالح أحدهم.. الجدران هي الأخرى استحالت كشكولاً متنوع الإمضاءات والعبارات.. والقريبة منها أصبحت براشيماً مأمونة العواقب.. بخلاف الطاولات التي لا يمكن الاعتماد عليها إلا في رسومات السيارات والأحرف الإنجليزية التي عادة ما تكتب على شكل معادلة رياضية A+b

ندمتُ على عبارتي القفلة.. ((انتهى درس اليوم وبإمكانكم التحادث أو مراجعة بقية المواد)).. وددتُ لو أني أكملتُ الدقائق المتبقية من الحصة بالحكايات المستهلكة لطرفة بن العبد أو امرئ القيس.. كفوشار في مقلاة بقيتُ أطالع ساعتي ثم أغلقتُ الباب ورائي في نفس اللحظة التي دق فيها الجرس..

في غرفة المدرسين الملبدة برائحة الفول والشكشوكة.. هذه المصفاة التي لا تكرر إلا أحاديث السياسة والأسهم وقضايا المعلمين.. ترتيبها البسيط المتمثل في رص الطاولات على شكل مربع واسع وبرادة مياه صغيرة في الزاوية بحيث لا يترك للفطور إلا افتراش المنطقة الشاغرة في وسط المربع.. هذا الترتيب لا ينعكس في الفضاء حين تختلط أصوات المدرسين كلهم أثناء في الفسح.. هذا الوطن العربي المصغر بتلاطم أمواجه وتناقضه ومودته واتفاقه على عدم الاتفاق فيه سوداني جنوبي حانق على الحكومة لاضطهادها الجنوب وحانق على الجنوب لجعله القضية دينية.. وسوداني شمالي يقول بأن كل الدول العربية بما فيها مصر والخليج تساعد أمريكا في دعم ثوار الجنوب الانفصاليين.. فيه مصري إخواني.. وآخر يلعن الحكومة المصرية كل يوم.. يقول بأن هذه هي ميزة الغربة.. أن تلعن كل اللصوص في وطنك دون خوف.. فيه مصري كوميدي يوزع النكات بلا ملل.. وسوري يهز رأسه بأسى ودون أن ينطق في كل مرة يأتي فيها ذكر لبنان.. أما السعوديون فبعضهم يردد في كل يوم نفس المواضيع التي أقرأها في الإنترنت ليلة البارحة.. وبعضهم يتحلق على حاسب محمول موصول بهاتف جوال ليتعرفوا على أسعار الأسهم.. ومجموعة صغيرة لا تمل النظر إلى جوالاتها وتبادل ما فيها.. هذه المجموعة لا تدور أحاديثها إلا همساً.. الموضوع الوحيد الذي يطرب له الجميع ويساهمون فيه هو الجنس الذي يبدأه غالباً المصري الكوميدي بنكتة يضحك لها مجاوروه فينتبه مجاوروهم ويطالبونه بإعادتها ثم ينتبه الآخرون وهكذا حتى تضحك الغرفة كلها بنَفَس واحد.. وطن عربي مقموع يجد متنفسه الوحيد في شحذ موهبته الكلامية.. على السطح هناك خصومة ملحوظة غير مرئية بين مدرسي المادة الواحدة الذين يجتهدون في الدروس الخصوصية أكثر من اجتهادهم داخل المدرسة وكثيراً ما جعلوا من تدني الدرجات المُسَبَّب مسوغاً لتهافت الطلاب عليهم في بيوتهم.. رئيس جماعة التوعية الإسلامية هو المدرس الوحيد الذي لا يختلط بأقرانه ويقصر اجتماعاته بأعضاء الجماعة من الطلاب في غرفة التوعية الإسلامية التي تنتبذ ركناً قصياً في الدور الثاني.. الطاقم الإداري شبه معزول عن المدرسين.. فالمدير قد عزل نفسه اختيارياً لمنع تأثير العلاقات الشخصية على العمل ويكتفي بإرسال سكرتيره الذي يسميه المدرسون (رقيبٌ عتيد) لحمله تقارير الحسومات وبث التعاميم التي لا تروق لهم في كل مرة.. بينما الوكيلان غارقان في مشاكل الطلاب.. الطلاب الذين نَمَت عليهم عروق السأم وهم مغروسون في كراسي خضراء باهتة تتكرر عليهم دروس تلقينية مملة لا تنتهي إلا ليستغل المدرس بقية الحصة في دروس تلقينية من نوع آخر.. يمكن تصنيفها وفق معيار ثنائي الأقطاب لا يعترف إلا بمصطلح كفري إسلامي أو تقدمي رجعي بحسب الملقن.. ينتظرون الفسحة بصبر فارغ ليمارسوا بعض العفوية وقضم الساندويتشات والتراشق بالمياه أو بعض السلبية باجتماعات قليلة العدد تخطط للهروب أو تتغامز باتجاه طلاب أصغر سناً.. يبدون مكرهين على الحضور.. حتى إذا وصلوا السنة النهائية أصيبوا بسُعار درجاتي مريع.. تعلموا قبل العلم أن العلم وسيلة وأن الغاية هي الوصول للسنة التالية ثم الخروج من المدرسة بنسبة مؤهلة.. آخر سؤال تقليدي ألقيته عليهم تفاوتت إجاباتهم عليه.. أحد الطلاب قال باسماً (سأتجه للقطاع الصحي) فسَرَت همهمات ضاحكة في الفصل.. طالب فلسطيني قال (سأدرس الهندسة في مصر).. آخر سعودي قال بغرور (ورقة اعتمادي مختومة في الكلية أحتاج فقط للنجاح بأي نسبة).. طالب ………………. ولا أدري ما أقول.. بأي كلمة أداري هذه السوءة الفاضحة.. بدون !!.. هل يمكن أن يولد الإنسان وينمو في بلد وهو لا يحمل جنسيتها ولا أي جنسية أخرى.. إنسان من خارج الكوكب.. جنسيته بدون.. بدون.. هذه الدولة الهلامية التي تستوعب عشرات الآلاف في أكثر من بلد خليجي دون أن تؤمن لهم عيشاً شريفاً ولا دراسة جامعية ولا تأميناً طبياً ولا ضماناً معيشياً.. يحصلون على قوت يومهم بعناء.. ويسيرون بين الناس بنقص فاضح.. يلفظهم المجتمع ليمتهنون السرقة وترويج المخدرات.. الإثبات الوحيد بأنهم موجودون هو النظرة المسغبة وورقة رسمية تفيد بأنهم بدون.. بدون جنسية.. بدون طموح.. بدون أمل.. بدون لسان يتحدث فيسمعه المجتمع.. المجتمع الأبله المقعد الذي يبحث تفجيرات العراق وقيادة المرأة وموديلات السيارات وينسى أن يدفع كرسيه المتحرك إلى الأمام.. لم أستطع تجاوزه وقد سألت الطلاب بالترتيب.. خطرت لي فكرة التوقف فخشيت أن يستشعر ما في نفسي.. ولا أدري أخشيت عليه من السؤال أم من عدم السؤال.. لم أرِد أن يستمر التردد لأكثر من اختلاجة.. فدفعتُ بالسؤال إليه برفق وبصوت خفيض وكأنه اعتذار مبطن لما قد يثيره من جراح مفتوحة.. بابتسامة باهتة أجاب (وين يعني.. إما حارس أمن في شركة خاصة أو موظف كابينة هاتف) قلتُ بإشراق مصطنع (تفاءلوا بالخير تجدوه).. وأكملتُ سؤالي التقليدي وأنا ألعن علامته الاستفهامية.. إلى أي حد نستطيع التجرد من مشاعرنا وتشكيل برودها بنفس القدرة والحرص على التشكيل الرسمي للشماغ على رؤوسنا.. جسّدتُ بقدرة فذة لا يجيدها إلا منتوجات هذا المجتمع الدور الفاشل لماري أنطوانيت.. سيقول: وما يدريك أنت أيها المعلم (السعودي) ابن القبيلة المعروفة.. وحتماً فإني لا أدري.. (واللي إيدو بنا مش زي اللي إيدو في المَيّة).. وحتماً فإن مجتمعي لا يدري فهو غارق في (الميّة).. مياه عفنة موبوءة.. مياه راكدة آسنة هي كل ما نملكه من موروث نسميه عادات وتقاليد.. كدتُ بعد سؤال طالبين أن أعود إليه معتذراً.. ولكني لم أفعل.. أنا جزء من الحدث وأتحمل حتى مع رفضي لها أخطاءه.. فمع أن الله يقول {ولا تزر وازرة وزر أخرى} إلا أن المجتمع يقول (الشر يعمّ).. وها أنا محمّلٌ بأوزار مجتمعي فالساحة تطبق تعاليم المجتمع لا تعاليم الله.. لن تستفيد يا يوسف من درجاتك العالية.. لن تستفيد من خلقك الرفيع.. ولا من تدينك المنضبط.. خذ حفنة من الحبوب المخدرة وتاجر بها في الممرات المظلمة.. ستقضي بقية عمرك في السجن فيما يُطلب من مختلسي المليارات تقديم استقالتهم فقط.. ولا جريرة.. فالقاضي هو مجتمع بليد يضع على مكتبه يافطة كُتب عليها [الحاكم بأمر الله]

نشرة جوية.. هيب هوب.. من سيربح المليون.. مهرجان أبها.. برنامج إفتاء.. مباراة أوروبية.. تقرير عن الأسهم.. وأصوات أخرى متداخلة بصخب.. فقط حين أكون هنا أدرك أن الضجيج ليس قادماً من رأسي.. أتململ في مكاني.. أشغل التلفاز.. أغير القنوات بسرعة ثم أخفض الصوت.. والأصوات مازالت ترتفع وتضيف أصواتاً جديدة إلى خليطها الغوغائي.. أطفئ التلفاز في محاولة أخيرة لإخماده.. ربما كنتُ أظن أني بهذا الفعل أستطيع التخلص من كل التلفزيونات المجاورة وأصواتها التي تخترقني كموجات كهرباء تصعق متهماً بحثاً عن اعتراف.. أذناي غشاء بكارة يُغتصب.. ورأسي شوكة رنانة تهتز.. لم يعتد هذا المكان رغم التردد اليومي عليه.. هل نعتاد ما لم نعتدْ عليه.. وهل سنحتاج إلى محاولة اعتياد للتخلص من عاداتنا.. هل ذواتنا هي مجرد مختبر عادات.. مزرعة عادات بكتيرية تنمو وتغطي السطح نافثة العفونة.. وأخرى تفشل لأنها في وسط غير مناسب.. هل مردّ الأمر إلى خصائصنا الذاتية التي نرى من خلالها الأشياء فنتماهى معها أو نقف معها بتوازي دون امتزاج.. ذواتنا التي نرى من خلالها الأشياء فتتغير معالمها بتغير جهة الرؤية.. و(كلٍ يشوف الناس والأماكن والأحياء بعين طبعه).. وإلى أي حد نستطيع إنصاف المرئيات من ذواتنا.. أيعقل أن أطفئ جهاز التلفاز شبه متصور أن بقية الأجهزة ستنطفئ..!!
جاء نظير بالأرجيلة.. ركزها أمامي ككوبرا في وضع مهاجمة تستعد لأن تنفث السم.. وضع الجمر فوقها وأخذ يسحب أنفاسها ويسعل.. أصعب أنفاس الأرجيلة هي الأولى التي تشعل الرأس.. ونظير يسعل بقوة.. يخيل إلى أنه على وشك التقيؤ.. يناولني اللي والمبسم ويمضي مسرعاً إلى طلبٍ آخر.. لم نتبادل أطراف الأحاديث كالعادة ربما هروباً مزدوجاً من ذكرى بكاء البارحة المشترك.. نظير الذي جاء إلى الرياض يحلم بالعمل في بلاد الإسلام والعودة ببيت ومزرعة صغيرة والكثير من الملابس والبطانيات هاهو يجد أن العمل الحلم هو افتداء الزبائن بسحب أصعب أنفاس الأرجيلة عنهم في هذا الجحر المعتم والإقامة فيه.. بعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً تتأخر رواتبه لشهور.. يواجه السخرية والاستهزاء والتعنيف والسباب وربما الضرب من نماذج تجهل كل أبجديات الذوق العام والأنظمة المدنية وحتى التعاملات الإسلامية.. ولِمَ لا.. أليسوا روّاد مقاهٍ ؟ كأنهم يثبتون رؤية مجتمعهم بافتراض الأسوأ منهم تحت قبة وهم نقاء وطهر بقيته.. خراء.. نسيج اجتماعي فاشل للحية مصطنعة وشاب مهروس ومسن معلق بين زمنين لا ينسى الأول ولا يستوعب الثاني.. بأي تصور سيعود نظير إلى بلده.. وهل يهمهم تصوره.. نحن كنا وسنبقى شعب الله المختار.. وهذا البنغالي يجوز لنا احتقاره لأنه بنغالي.. شباب فارغ يمارس التفحيط واللواط ويسب الحداثة والشيعة دون فهم أو حتى محاولة فهم.. شباب مفرّغ.. فرّغه المجتمع وافترض منه الأسوأ وخلق له المبرر والذريعة ومهد له خط الرجوع.. (يكبر ويتزوج ويعقل).. سيناريو مريح جداً يبيح العوار الاجتماعي وينهيه بنقطة البداية.. نتدثر بزيف الطهر دون أن نغتسل من أخطائنا.. والزواج هو دائماً مزلاج الحلوق الوالغة.. صرنا أعلى معدل انفجار سكاني.. كل متزوج هو قنبلة موقوتة تنفجر دزينة أطفال دون تربية ودون أبوة.. البعض ينفجر مرتين.. واحدة قطع لحم تكبر عضوياً فقط.. والأخرى قطع لحم تنتثر على أبواب مصفاة.. مجتمع مزيف.. مجتمع الـ(أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة).. نسي أدب القرية ولم ينسَ سخافاتها.. واستوعب مادية المدينة ولم يستوعب ثقافتها.. يحفظ الشعر الشعبي ولا يفهمه.. ويسمع أغاني الراب ولا يفهمها.. بأي تصور عنا سيعود نظير.. نظير الذي بكى ليلة البارحة وأبكاني.. كان قد بشرني بقرب سفره وهو يريني صورة ابنه نظمين أو كما ينطقها بالبنغالية نازمِن.. شامة سوداء كبيرة على طرف جبينه استوقفتني.. قال إنها عن العين فابتسمتُ في سري وأنا أراه طفلاً عادي الملامح حنطي اللون داكنه.. عادي الملامح وإن شعّت عيناه بطفولة بيضاء.. عذرتُ أبوة حانية تتمنى فقط لو استطاعت تجاوز آلاف الأميال وليالي الشظف وعناء الغربة لتمسح على رأس ذلك الطفل وهو نائم.. سألته عن عمره فأجاب سنة ونصف.. ومنذ متى لم تسافر.. منذ عامين.. ندّ مني سؤال سخيف.. وبقدر بداهة إجابته كان استنكارياً لا استفهامياً.. قلتُ (يعني ماشفته أبد ؟) أجاب وابتسامة صفراء تكاد ترتسم على شفتيه (أيوه) ورأيتُ في عينيه للمحة حقولاً شاسعة من الأرز والشاي وساعات طويلة في الطائرة وسنوات لوعة واغتراب وقسوة وإنهاك وتأشيرة ومطارات ورغبة حزينة لأب في ضم طفله الذي يكبر في البين وهو لمّا يره بعد.. لمحتُ في عينيه إلياذة مأساوية قبل أن تتسرب فيهما قطرات مائية كادت تنثال قبل أن يشيح بوجهه ذاهباً.. عذراً يا نظير.. عذراً لأننا نعنون مآسي غيرنا بالملهاة ونضحك لها حد خروج الدمع.. كدمعك ودمعي بعد أن تركتني.. لكنه دمع حلو بحلاوة مجتمعنا المثالي وتناسقه التام بهذه الصورة المتكاملة.. عذراً يا نظير إن لم نفهم الجانب الإنساني.. فنحن قددنا من صخر.. نحن رجال الصحراء.. لهيبها أنفاسنا.. ورياحها لغتنا.. وسفّ رمالها هو كل ما نملكه من ثبات.. أطفالنا لا يستطيعون الحلم.. ومراهقونا يسرقون السيارات ويغتصبون أطفال المقيمين وشبابنا يبصقون على العمال الآسيويين في المقاهي وينتشرون ذرات مطحونة بين البطالة والمادية ومهراس المدينة بعد أن لفظتهم سنين الطفولة دون أن تعلمهم الوقوف.. ينتظرون يوماً يتزوجون فيه و(يكبرون ويعقلون).. بدأتُ أسحب أنفاس الأرجيلة بعنف ودون توقف.. طائراً يخفق في عرض عاصفة بحرية.. دخان الأرجيلة غمام متشابك.. وأجهزة التلفاز حولي اصطخاب موج ورعود مزمجرة.. رذاذ البحر يصلني في محاولات ابتلاع شرسة.. رذاذ الجلسرين يتسرب إلى رئتي فأسعل.. أسعل.. وأجرع من قنينة الماء بجواري.. ابتلعتُ الرذاذ هذه المرة.. ولكن من يدري من يبتلع من في المرة القادمة..

هل اعتدتُ الأرجيلة بعد.. أم أني مازلتُ أحاول التخلص من عادة عدم تعودها.. ما هي العادة.. وما هي حقيقة الذات قبل طمرها بالعادات..
سحبتُ نفساً وسعلت .

أشعر بأني حشرة سحقها عملاق بحذائه.. الحشرة التصقت بالحذاء والعملاق يرفع طرف ثوبه ويخوض بحذائه في مياه متسربة من مجارير الصرف الصحي.. يعتريني غضبٌ عارم وغربة موغلة.. أرفع صوت المسجل عند الإشارة حتى أقصاه في حركة صبيانية للفت الأنظار.. تسجيل اعتراض ضد حشرات مسحوقة مثلي تماماً.. لا أدري إن كنتُ لافتاً للنظر أم لا.. لم أقِسْ ردود الأفعال في نظرات السيارات المحيطة.. أتطلع لضوء الإشارة الأحمر بحنق وكأن أمر الصوت لا يعنيني.. الزحام عند الإشارة يزيد من توتري.. في سرّي رفعتُ إصبعي بحركة بذيئة لكل المتوقفين.. صرختُ بقول الشابّي :

يا ربة الشِعر غنيني فقد ضجرتْ
نفسي من الناس أبناء الشياطينِ

تجرد المعنى من شاعريته وبدا كأنه صرخة زنجي ضد تمييز عنصري.. لم أستطعْ سماع الصرخة كانت السيارة ترتجّ وأنا لا أدري ماذا تقول وحين حاولتُ سماعها أدركتُ بأني لم أضع شريطاً في جهاز التسجيل وأن كل هذا الزعيق عند الإشارة كان لدعايات في الإذاعة..

السيارات تتقدم ببطء ثم تعاود التوقف.. استحال غضبي حزناً.. الإشارة تضيء حمراء للمرة الثالثة وأنا لمّا أتجاوزها بعد.. أطفئتُ الراديو وألقيتُ رأسي على مسند الرأس بإنهاك قائد خسر نصف جيشه على أبواب حصن لم يُفتح.. وحيداً في صحراء ممتدة بلا نهاية.. الملح في حلقي والغبار في عيني.. الريح تسفّ الرمال في كل الاتجاهات والصفرة القاحلة تنشب مخالبها في رأسي.. حافياً أغرس قدمي في الرمل المتّقد.. أسير دون وجهة.. وآثار دبيب الزواحف تدفنها الرياح.. الأفق يرقص كهواء ينبعث من فوهة مرجل بحيث تمتزج حدود السماء وحدود الأرض في رقصة عشق أزلي.. منبهات السيارات تزمجر خلفي وسيارة صغيرة تنحشر بوقاحة في الفرجة أمامي.. الإشارة تضيء حمراء من جديد.. كم تقتلني الرياض.. مدينة الصفيح الساخن المرهقة للأجهزة العصبية.. أتذكر حين تعرفتُ عليها لأول مرة طفلاً يحمل سذاجة القرية في جيوبه وتحت أظفاره.. كنتُ أدير رأسي خلف زجاج السيارة محاولاً قراءة كل اللافتات الدعائية وأسماء المحلات التجارية.. تمنيتها في سرّي.. كمراهق يغرم بمومس واقعها بثمن لمجرد أنها تجربته الأولى..

الآن تجبرني أقداري على الرياض بعد أن كرهتها وصرتُ لا أطيق البقاء فيها ولو لمناسبة اجتماعية.. هل علينا كره أمانينا كي تتحقق.. وهل ستبقى أمانٍ حين نكرهها.. هاهي الرياض تأتي بعد رحيل الطفل القروي.. الإشارة تضيء بالأخضر والسيارات تزمجر خلفي.. أتجاوز الإشارة غير مصدق..

- قل لي يالهامور

- سم

- وش صار على سهم المراعي

- بيرتفع.. بس فيه فرصة أحلى منه

- أمزح معك.. وانت انطلقت على طول تهلوس بالأسهم .. تدري اني مريح راسي وكل فلوسي بالصناديق

- عاد تصدق.. أستغفر الله العظيم بس والله اني أشوف المؤشر يطلع وينزل على ظهر اللي يصلي قدامي في المسجد

- اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا

- بلوى.. أو بلوي على قولة خويّ وطفة

- قال (كيدنا هدّ جبال.. وكيدهن هدّ رجال)

- معجبك هالبيت يا شوبنهور

- تركنا عداوة المرأة وسلمنا بالمصير

- من قال لك تتزوج

- شر لا بد منه

- الواقع يفرض نفسه عليك.. وأنت ترفض الاعتراف فيه

- الله يقطع ابليسك.. نسيتني وش كنت بقول لك من أول شيء

- سم

- وش العلاقة بين الشيشة وشيش طاووق

- حكاية طويلة

- سمّعني

- هذا طال عمرك رجال كان ما يحب يشيش إلا وفي فمه علك باطوق وكان ما يعرف يطبخ حتى بيض.. راحت زوجته لأهلها وجلس هو بالمطبخ يخربط باللحم حتى طلّع هالمشوي الجديد.. انتشر بين الناس وسمّوه شيشة باطوق.. وحُرِّفت التسمية مع طول الوقت

- تستهبل ؟

- مزحت معي.. ومزحت معك.. وحده بوحده

- تمزح.. بس انشر هالحكاية في منتدى وغلفها بطابع النصح ولن تعدم من يصفق لها ويتداولها

- قايل لك خلك من منتديات الأسهم وجاي

- طيب ليش كان لي الشيشة سابقاً عود قصب متصلب.. والحين أفعواني التموج

- لأن الإنسان كان يذهب للشيء في مكانه ويمد رأسه لعود القصب.. والآن كل شيء بما فيه ليّ الشيشة يجيه وهو جالس.. رمزية لهذا العصر الاستهلاكي وماديته الورقية

- طيب وش الأصل اللغوي لكلمة شيشة

- أنت تبي تألف رسالة عن الشيشة ؟

- رسالة ؟ الله لا يقول

- ليش ؟

- أكاديمية الشخص تعني نهايته مبدعاً

- غير صحيح

- والدليل إن ما فيه أكاديمي واحد مبدع إلا في الحط من الإبداع وتشويهه.. بل إن التاريخ يؤكد على الحرب الضروس بين الأكاديميين والإبداع.. علماء اللغة والشعراء مثلاً

- كل مبدع هو ناقد لأنه يعود لعمله بالجرح والتعديل.. قل بأن الأكاديميين لم يستطيعوا التخصص في الإبداع فتخصصوا في نقده

- هذا ما قلته

- ولكن أكاديمية الشخص تعني عدم وجود إبداع لديه من الأساس وليس قتل إبداعه الذي كان موجوداً

- المهم أن أكاديمية الشخص تنفي إبداعه

- وعدم أكاديمية الشخص لا تثبت إبداعه

- أنا شخصياً مبدع ولستُ أكاديمياً

- هذا اللي تبي توصل له من البداية يا مغرور

- أعذرك.. لأنك تجسد ثقافة مجتمع إما أن الشخص فيه يجرد نفسه من كل امتيازاتها الخاصة أو يتبجح بغرور

- تأتي لشخص وتذكر محاسنك عنده.. وش بيكون الوصف الأمثل له غير الغرور

- مجردة.. نعم غرور.. لكن ضمن خطاب موضوعي وبعلاقة واضحة بمحتوى الخطاب فالغض منها لمجرد ارتباطها بالأنا هو تواضع كاذب.. كما قال الدكتور غازي لمنتقدي كتابه (حياة في الإدارة)

- بس كتابه هذا كله حديث عن شخص الكاتب

- ليس عن شخصه.. بل عن شخصه في الإدارة.. الدكتور غازي قضى ما يعادل عمري أو عمرك في مناصب إدارية ووزارات وسفارات ومن حق التاريخ عليه أن يسجل هذه التجربة مع الفائدة المستخلصة منها

- عاد أمزح معك.. تدري اني أول من يشهد لك بالإبداع

- هذي اسمها بعلم الاجتماع ثقافة تقديم الأنا.. وتقييم مجتمعك فيها صفر

- هل تعتقد أن (شقة الحرية) هي السبب في اتهام الدكتور غازي بالعلمانية

- (شقة الحرية) رصد واقعي لشريحة معينة في زمان معين ومكان معين

- قصائده ؟

- قصائده فيها ما فيها من غزل اليومين دول.. ولكن ليس فيها أي دعوة إلى فكر علماني

- حلاقة شنبه ؟

- فيه نمر كل يوم يمسك القرد ويصفقه ويقول (ليه مش لابس الطربوش) راح القرد يشتكي للأسد قال الأسد للنمر (إذا بغيت تضرب أحد لاقي لك حجة مقنعة) قال النمر (كيف) قال الأسد (قل للقرد جب لي تفاح من فوق وإذا جاب لك تفاح أحمر صفقه وقل أبي تفاح أخضر وإذا جاب لك تفاح أخضر صفقه وقل أبي تفاح أحمر) راح النمر للقرد وقال (جب لي تفاح من فوق) قال القرد (أحمر؟ أو أخضر؟) قام النمر وصفقه وهو يقول (ليه مش لابس الطربوش)

- هههه هههه.. والله رهيبة.. هههه هههه

- مجتمعك ليس بحاجة إلى أدلة.. تكفي التهمة لكي تصدر الإدانة

- بس حلوة (ليه مش لابس الطربوش)

- وبعدين إن شاء الله يصير يهودي.. يكفيني إنه يخدم البلد بما لا يخدم فكره الخاص

- في هذي.. معك حق

- لو كان ظهور الدكتور غازي في الوقت الحاضر لما وصف بالعلمانية.. أنا قرأت المجموعة الكاملة له وأتحدى أحداً أن يثبت أن فيها دعوة إلى فكر علماني.. بل إن فيها كتاب جميل جداً اسمه (ثورة في السنة النبوية)

- السنة النبوية نعرف من أين نأخذها

- القصيبي لم يكتب كتابه هذا محققاً وإنما تحدث فيه عن مجموعة أحاديث من بعد مختلف

- أي بعد وأي قرب.. من أي زاوية لم يُسبق إليها سوف يقرأ القصيبي أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم

- اللهم صل عليه وسلم.. لن تستطيع فهم الكتاب ما لم تقرأه.. والحكمة ضالة المؤمن

- وهناك شيء اسمه كلمة حق أريد بها باطل

- هذي مقولة صحيحة في بعض الأحيان ولكن إطلاقها كقاعدة للتعاملات هو فرض لاستكناه النوايا وافتراض سوئها

- بل هي تقنين لمصادر التلقي

- تحلق لحيتك وتشارك في نقاش ديني ليس كمفتٍ بل من واقع ثقافتك الدينية فيصادر أحدهم حقك هذا

- وش دخل هذا بهذا ؟

- هو يطبق مقولة كلمة حق أريد بها باطل

- تطبيق خاطئ والمقولة لا تتحمل وزر فهمه

- قلت لك منذ البداية هذه المقول صحيحة ولكن إطلاقها يفتح المجال للأفهام الخاطئة.. البعض يتوصل بفهمه الخاطئ إلى سوء نيتك لمجرد أنك حليق أو تعسل ويعامل كل كلمة منك وإن صحّت على أن المعنى المراد بها باطل

- لو بنمنع كل ما قد يطبق خطأ لمنعنا الإنترنت والسيارات والهاتف وجوال الكاميرا

- تصدق ان كبار زملائي في العمل يطلبون مني مقاطع مخلّة.. ولمّا أحلفلهم إني أكبر من كذا وأعطيهم الجوال حتى يصدقون يقولون حاطها في مجلد مخفي

- هههه هههه.. ما دروا إنك درويش بجد

- ما سمعت المثل اللي يقول (عط الخبل على قد عقله ولو أكل نصفه) ؟

- والخباز وش تعطيه ؟

- النصف الثاني.. واطلع منها

ابتسما معاً وهما يدخنان الشيشة

- السلام عليكم- وعليكم السلام.. تعال.. أنت جيت وإلا الله جابك

- سم يالهامور.. توصية جديدة ؟

- لا.. تشبيهك البارح غلط

- أي تشبيه ؟

- المكتب والصالة

- ليش ؟

- خلني أعطيك التشبيه الصحيح وأنت تعرف الفرق

- عطني

- أول شيء ليش بتمنع عيالك من دخول غرفة المكتب ؟

- علشان ما يحوسونه

- إذن كان الأحرى بالتشبيه أن يكون (لو بتمنع عيالك لا يحوسون المكتب تدخلهم الغرفة وتقول لا تحوسونه ؟ أو تقفل الغرفة عنهم ؟

- أقفل الغرفة عنهم

- فهذا هو سد الذرائع

- وإذا كان راشد مكلف ؟

- لا راشد مكلف ولا برويز مشرف.. أنت ابتدأت التشبيه بالأطفال.. والنفس كالطفل إن تتركه على كيفه يحوس الطبخة وإن تفطمه ينفطم

- أنا ما أعرف أفكر لين أضبط لي راس.. وأنت ترحب بالواحد بنقاش

- قم اضبطلك راس أغديك تحل قضية فلسطين..

*……………*…………… *

- هاه.. كيّفت ؟

- الحين أحل لك قضية فلسطين

- حل قضية فلسطين يساوي فاي

- انهزامية عربية لا تعد سابقة

- في تفسير القرآن أن القدس في ضياعها الثاني لا تسترد إلا حين ينطق شجر الغرقد

- يعني نعترف بإسرائيل وننتظر آخر الزمان ؟

- مواقفنا هي مجرد تسجيل حضور.. وكل اللي قاعد يصير هو تأخير لعجلة أحداث محتومة

- على الأقل خلنا نأخر العجلة حتى ما تقوم علينا الساعة ونصير شرار الخلق

- الصالحون في آخر الزمان تأخذهم ريح طيبة

- والعراق ؟ وش موقعه من هذه العجلة ؟

- العراق كهف مظلم.. لا تستطيع تبين شيء فيه ولا تستطيع تخمين ماذا سيظهر لك فيه

- وتسجيل حضورنا فيه.. بأي دور ؟

- بالنسبة لي شخصياً.. عاجبني الوضع الحالي

- من أي ناحية

- ارتفاع سعر نفطنا

- ماديتك بغيضة

- وأحلامك مفرطة

- أقول.. شيش وأنت ساكت

- أشيش وأنا ساكت.. ومالو ؟ على الأقل معسل زي الناس.. نعماني ما هو معسل حلاو

- ……………….

- وشفيك توزع ابتسامات ؟

- الشيشة

- الشيشة تضحّك ؟

- لا.. الشيشة زي بعض كتاب المنتديات راسه ما فيه إلا الجمر.. وصوته الوحيد هو القرقرة الهوائية.. وكلهم ضارين بالصحة..

- هههه هههه.. تشبيه حلو

- المنتديات هي الصوت الأصدق للواقع.. يمين منغلق ويسار متطرف.. وقلة منبوذة من الاثنين

- خلك من منتديات الأسهم وجاي

- النخلة لن تثمر في سفح الألب.. والموز لن ينمو في كاليفورنيا.. لن يثمر أحد عندنا طالما أن الأجواء الفكرية والاجتماعية غير صحية

- أنت ما ذبحك إلا أفلاطون ومدينته الفاضلة.. خلك واقعي

- أفلاطون مريض.. كان يتصور مثلك أنه في قمة الواقعية

- هههه هههه.. أنت زعلان عليه لأنه طرد الشعراء من الجمهورية

- لأنه طرد كل قيمة معنوية وعامل الإنسان كمادة فقط.. ولهذا فشل في مشروعه

- فشل لأنه مثالي لا واقعي.. لأنه كان حالم بواقعيته ويتصور كل شيء على أنه محاكاة لنموذج مثالي

- الفيلسوف الحقيقي هو سقراط أبو الفلسفة

- سقراط مجرد شايب مثالي

- يعني لو كنتَ في موقفه لكنتَ واقعياً وآمنت بتعدد الآلهة ؟

- لا تأخذنا للميتافيزيقيا.. الفيلسوف الحقيقي هو أرسطو الذي تمرد على الاثنين وجمعهما معاً

- وأنتج لنا هتلندر أكبر يسعى لحكم العالم

- مربّي الإسكندر هو ديوجين الموسوس

- أكثر الأخبار التي وردت عن ديوجين كانت منحولة

- أيوه.. يا طه حسين

- وشفيه طه حسين ؟

- أوه.. نسيت ان كلكم ديكارتيين

- طه حسين صاحب اجتهاد علمي صحيح.. تستطيع أن لا تعجب بنتائج الاجتهاد ولكنك لا تستطيع تخطئتها ما لم تثبت العكس.. وأيضاً وفق منهج علمي صحيح

- تعرف أن الأمر أبعد من ذلك ولكنك ترفض تصديقه.. طه حسين مبدع نعم وذكي جداً نعم.. ولهذا لا أحد يستطيع تخطئته.. ولكن الانزلاق الغضروفي الوحيد في كتاباته والذي نشر غسيله هو الفصل الأخير لكتابه (في الأدب الجاهلي).. ولأنه ذكي فقد حذفه من باقي الطبعات وكان كلما كبر سنه يزداد ذكاء ويدور حول الحمى دون الوقوع فيه

- بكيفه.. طالما لم يقع فيه

- صك الباب والا بينحاس مكتبك

- مكتبي ما فيه إلا الفواتير

- بتنحاس مكتبتك

- كلّو إلا مكتبتي

- أحسنت.. مخ الرجل هو مكتبته.. فكلما كبرت وتنوعت انعكس ذلك على فكره.. مع أن الكتب صارت الآن ديكوراً جمالياً

- قبل فترة جاني أخوي قال شاري طاولة جديدة ويبي مجلدات أنيقة

- هههه هههه.. وعطيته ؟

- مستحيل..

- خبري فيك

- واللي قاهرني.. انه ما يهمه أي مضمون للكتب اللي طلبها

- عمر الشكليات ما اهتمت بالمضمون.. مجتمعنا صاير زي موضات الشيشة الجديدة.. شيشة فرنسية.. وشيشة مزخرفة.. وشيشة بقوالب ثلج.. وكلها بايخة

- أشوفك صرت مثالي !!

- أن تدرك عيوب مجتمعك وتتلافاها شيء وكونك تحاربها شيء ثاني.. الواقعية هي في تجنب الاصطدام والمحافظة على ذاتيتك وتطويرها

- وإذا كان المجتمع يرفض إلا نهش ذاتيتك والحط منها ؟

- هنا يبرز دور الديبلوماسية

- هذه ملكات.. وليست سياسة فكرية

- اعتبرها سياسة فكرية خاصة

- والعامة ؟

- العامة هي مجموعة سياسات فكرية تهدف إلى الرقيّ كلٌ بمقتضى خصوصيتها

- وما هو تعريف الرقيّ ؟

- التطور..

- وما هو تعريف التطور ؟

- أدري تبي تعريف فلسفي

- هذه هي القيمة الحقيقية للفلسفة.. اهتمامها المفرط بالحدود والرسوم لتجنب شطح الأفهام

- الرقيّ هو تضخيم الإمكانيات وتحسين الواقع وفق أسس محددة ومشتركة

- إيه.. كذا نفهم عليك

- أقول.. شيش وأنت ساكت

- لا تسرق عبارتي

- ارفع علي قضية

- أخاف أرفعها تطيح عليّ

- إذا كنت مأمن.. ما عليك

- مأمن.. بس والله ما ودي

- حرام ؟ هاه ؟

- شف.. أعرف موقفك من التأمين.. بس ما لنا الحق لا أنا ولا أنت نخوض في هالشيء

- تحليل وتحريم ما لنا حق نعم.. لكن شروح مواقفنا هي حق مطلق لنا

- ومن أنت حتى يكون لك موقف من هالشيء

- أنا جزء من المجتمع.. والمسائل هذي دينية اجتماعية.. ياللي ما أنت مقتنع بالعرف

- هذا أنت قلتها.. دينية اجتماعية.. يعني دينية أولاً

- دينية اجتماعية ولا يمكن الفصل بينهما في مثل هذه المسائل.. فيه عمّال مسجونين في عشر آلاف ريال أضرار حوادث مرورية ما هم قادرين يدفعونها والمتضرر يبي حقه.. وفيه سعوديين من طبقات محدودة دخل وفقيرة عليهم مبالغ كبيرة ما يقدرونها.. نتيح التأمين ؟ والا نحط الفريقين بالسجن والدولة تكدّ عليهم ؟

- يسلّم عليك محمد بن عبدالوهاب ويقول (من أحلّ شيئاً حرّمه الله فقد كفر)

- وحرام أيضاً أن تعطل عائلة كاملة وتعرّضهم للفاقة بسبب حادث مروري قضاء وقدر.. بالله عليك كيف بيكون حال عائلة ربها في السجن ؟؟

- بس ما تفرضه كقانون يُخالف من لم يطبقه

- لو ما فُرض على الناس ما أحد طبقه

- أنت بالذات ما ودي أعترفلك.. بس معاك حق

- اعترافك بالحق أو إنكاره يجسد موقفك أنت منه دون أي تأثير عليه

- نحن شعب لا يعترف بمشاعره.. بكيف بهزائمه

- الوصول إلى الحق هو انتصار حتى للمخطئ وليس هزيمة

- نحن في هزيمة فكرية سرمدية

- فإذن.. ما لجرح بميت إيلامُ

- الضرب في الميت حرام

- أقول.. شيش وأنت ساكت

- قلت لك لا تسرق عبارتي

- قلت لك.. شيش وأنت ساكت

- زي الصهاينة بفلسطين والأمريكان بالعالم.. مت وأنت ساكت

- قلت لك.. شيش وأنت ساكت

- هه.. سكتت

- نعماني ؟

- لا.. عنب توت

- عنب التوت خفيف

- بس أحلى من النعماني

- ………………

- طيب ليش نعسل ؟

- لأن تونا متعشين

- لا.. قصدي ليش من الأساس نعسل ؟

- ثقافة (احرق الروح قبل تروح)

- غير صحيح.. التبغ والنيكوتين موجود في الثقافات وكل الطبقات.. اجدادنا الذين بالكاد كان يتوفر لهم ماء صالح للشرب كانوا ينخرون العظم ليجعلوه غليوناً.. وحتى الهنود الحمر بخيامهم وتماثيلهم سبقوا العالم إلى التدخين

- يعني حنا نعسل لأن الهنود الحمر اخترعوا الدخان (حذو القذة بالقذة)

- هذولك اليهود والنصارى.. الهنود الحمر وثنيين.. وبعدين الشيشة اختراع فرعوني مسجل

- على الأقل هي أصرف من الدخان

- يارجال كلّو معسل بعضو

- ههه ههه حلوة

- سارقها من مجلة المعرفة

- بس الشيشة من جد أصرف من الدخان.. الشيشة مرة وحدة باليوم وبدون ريحة.. وآثارها على البشرة والأسنان والشفايف أقل

- والمحصلة…. الضرر نفسه

- برضو غير صحيح.. شف أي واحد يدخن يقدر يعسل بس العكس ما يقدر.. وكثير من اللي تركوا الدخان كان عبر إقامة مؤقتة في الشيشة المرحلة الوسط

- وكثير من اللي طاحوا بالدخان كان عبر إقامة مؤقتة في الشيشة المرحلة الوسط

- ههه ههه تدرج مفروض

- قريت مرة ان علماء أبحاث جينية توصلوا إلى اكتشاف جينات مسؤولة عن الإدمان.. من الكحول حتى الدخان والقهوة

- يعني عرفنا السبب.. أنا أعسّل بسبب أبوي

- حرام عليك أبوك ما عرف الحاجات هذي كلها

- بس هو اللي عطاني جين الإدمان.. على ذمتك

- فك ذمتي من شرك.. ما هي ناقصة

- شف يا عزيزي.. المسألة كلها مسألة ثقافات شعبية

- رجعنا على مسألة الثقافات

- إي نعم.. في الحجاز ووادي الدواسر يتداولون الكبتاجون زي الفصفص.. في الكويت يشربون كل ويك إند.. عندنا ندخن ونعسل منذ المراهقة في محاولة لإثبات الرجولة وبعدين تصير عادة يصعب التخلص منها.. حنا على الأقل نخوض في مباحات مدنية

- والدين ؟ وين دور الدين في النفس ؟ قل لي بعد ان الدين ثقافة شعبية

- لا.. ما هو ثقافة شعبية.. مع انه في أحيان كثيرة يصير كذلك

- وشلون ؟

- ملايين كثيرة من المسلمين إسلامهم فقط في الأوراق الرسمية وصيام رمضان حتى الصلاة لا يؤدونها.. ومع ذلك هذي ما لها دخل لأن إذا انت تعسل ما هو معناها انك مسلم بالاسم بس

- طيب نرجع حق محور حديثنا وين دور الدين في النفس ؟

- الدين أولويات.. والكل يجمع على ترتيب معين لأعلى القائمة والباقي نسبي.. وفي النهاية لا أحد دينه كامل

- بس التفكير السليم يفرض على الإنسان انه يتمم نواقصه في أي مجال

- لو شفت واحد يحلق لحيته ما سألت عن دور الدين بس يعسل تسأل

- لا.. حتى حلاقة اللحية وسماع الأغاني وغيرها من المعاصي لازم نسأل عن دور الدين

- قلت لك ترتيب أولويات.. فيه ملتحين لا يسمعون أغاني ولا يدخنون وأخلاقهم سيئة ويكذبون.. بل ويكذبون أحياناً في سبيل الدعوة.. وأنت لا تسأل عن هؤلاء وين دور الدين

- هؤلاء أيضاً على خطأ.. ولم يلتزموا بالدين تماماً

- لا يوجد التزام تام.. هم كربع المعسل كبقية الناس التزامهم نسبي.. الفرق بين الفريقين هو في ترتيب الأولويات

- والله مدري.. كلامك فيه منطقية

- أقول.. أحلالاه يالنعماني بس.. أنت وعنب توتك هذا

- عاد تصدق.. من المفيد للإنسان انه يمحص قناعاته ومواقفه باستمرار

- حتى المسلّمات ؟

- حتى المسلّمات..

- لا يسمعونك المطاوعة

- بالعكس.. كلامي هو نفسه اللي يطالب به المطاوعة والمصلحين الاجتماعيين.. ولكن بأسلوب آخر

- بطابع فلسفي

- تقدر تقول

- أنت مجرد ديكارت متدين

- وانت نيتشه متدين

- نيتشه ممتاز.. وجوهر مذهبه صحيح مية بالمية بس انه تطرف فيه جداً

- يعني انطلق صح واتجه خطأ.. ما استفدنا

- بالعكس.. اتجاهه الخاطئ جزء من صحة انطلاقته

- فهمني

- يعني أحياناً تطرف الطرح يصير جزء من اتزان الفكرة

- ما فهمت

- مثل ما إن العقاد اعترف بتطرفه في نقد شوقي وبرر لذلك بالحاجة إلى إحداث الأثر المطلوب نيتشه تطرف لانتزاع الإ نسان الغارق آنذاك من اللاهوت.. ولو تغيرت أجواء الاثنين لما تطرفا

- آه.. آي جات إت

- علشان كذا ومع اني ماني ليبرالي ومؤمن بأن معظم الليبراليين ينقضون ما يطالبون به ولكني مبسوط بظهور صوت لهم في السعودية

- انتبه لكلامك

- ليش ؟

- انت تشجع وجود الكفر بجوار الإيمان

- لا.. أنا أشجع وجود الكفر بجوار الإرهاب الفكري لكي نصل إلى المنطقة الوسط.. الإيمان

- الكفر هو الكفر بغض النظر عن نقيضه

- شفت.. هذا هو الفرق بيني وبينك.. أنت تنظر للأشياء بجوهرها.. وأنا أنظر للأشياء بظروفها وآثارها

- كل قيمة خالدة للشيء هو جوهره أما الباقي فهو رهن الزوال

- علشان كذا تبي تغير الفقه

- على كيفك ؟ من قال ؟

- ما انت مقتنع بالعرف وسد الذرائع

- ما حنا مشايخ علشان نخوض في هيك مسائل

- أنا ما أدعوك للإفتاء.. أنا أبيك بس تفسر لي رأيك في هالنقطتين

- باختصار.. الدين ثابت والعرف متغير.. والثابت لا يقاس بمتغير

- كلام فلسفي

- كلام في منتهى الواقعية.. شف الدشوش مثلاً.. عندنا في السعودية قبل عشر سنوات كان الدش موبقة الموبقات والآن هو شيء رئيسي في البيت.. حتى إني أتذكر مقولة بالحرف الواحد لشخص كان يقول (اللي يحط في بيته دش ديوث) والآن فوق سطح بيته ثلاث دشوش

- ما هو معناها ان الدش صار حلال

- أدري.. بس أثبتلك ان العرف متغير وليس وسيلة للقياس

- وسد الذرائع ؟

- إذا بتمنع عيالك من دخول مكتبك تقفل غرفة المكتب أو تقفل الصالة كلها عنهم ؟

- أكيد اقفل المكتب بس

- شفت شلون

- أنت مثالي

- وانت تقليدي

- ههه ههه.. وانت ما تعرف تجيب معسل

- وانت ما تعرف تنقي قناة زي الناس.. هات الريموت وانت حاطه من الصبح على Cnbc ذبحتنا بالأسهم

- خذ.. وتعود تجيب معسل غير النعماني

من أين تريدينني أن أبدأ..
والحداثة في بلدي تهمة
والفلسفة إلحاد
والغزل إباحية
والسؤال زندقة..

من أين تريدينني أن أبدأ..
وقد هدموا معبد العاشقين
وداسوا الفراشة والياسمين..

من أين تريدينني أن أبدأ..
وقلبي يحدثنيكِ إشارة
ونفسي توسوسنيكِ بخوف
وعيني تدور مخاف العسس
وعُزّى القبيلة لا يندرس..

من أين تريدينني أن أبدأ..
من أين تريدينني أن أبدأ..
فالشِعر منكوبٌ ومجذومٌ ومنبوذٌ لدينا
والحب مصلوبٌ ومرجومٌ ومَيْتٌ في يدينا..
ونحن إذ نحب..
في أعرافهم زنينا..
حتى المآذن والمصاحف والمحاريب هنا..
مرسومة بالمجتمع..
مصبوغة بالمجتمع..
مشوية بالمجتمع..
مأكولة بالمجتمع..

قد خلعوا أضراس قيسٍ بالمقالع
وقطعوا لسانه
وأحرقوا ديوانه..
فلا كتابٌ هاهنا يُطالع
إلا كتاب المجتمع..

قد مثّلوا بالحب كي يحاربوه..
قد قطّعوا أطرافه وشوّهوه..
ووزعوا الأرقام في الأسواق والمحادثة
فصاحت الغرقد: خلفي الحب هيا فاقتلوه..

قد رحل الحب قديماً من هنا..
منذ احتراف (الحنشلة)
وحرب داحس التي ثارت لأجل (قطيفة)..
مذ صنمٌ شُيِّدَ باسم المجتمع..

قد غادر الحب قديماً من هنا….
وما رجع

قررت في يوم أسود اشتراء هدية لإحدى قريباتي والهدية تباع في السوق..ولكن المشكلة هي أن مثلي لا يصلح إلا للعمل أو المكتبة أو الحاسوب أو المقهى.. فأسماكي لا أطعمها إلا بعد سبعٍ عجاف وثيابي لا أتذكر أنها في المغسلة إلا صبيحة الدوام ولحيتي تطول كما تريد فأنا لا أحب الزحام لدى الحلاقين حتى إن البعض (أكل فيها مقلب) حتى إذا حلقتها بعد شهر أو شهرين قال (ارتدّ فارس).. كنتُ سعيداً بروتيني ولا أريد كسره ولكن المناسبة سعيدة وتستوجب هدية جميلة.. فاقتنصت بعض فراغي وذهبتُ إلى أحد الأسواق بفرح عارم وكأني أقدم الهدية الآن  .. اقتربت من البوابة وأنا سارحٌ في أفكاري.. ما لون الغلاف الذي سأقدمها به.. وماذا سأكتب على الكرت المرفق.. بأي الجمل أقدّمها.. وما هو الوقت المناسب لــــ….
 

وفجأة.. اعترضني ذراع عريض غطى السوق بكامله عن عيني (وين يابو الشباب) وبعد أن لملمتُ شظايا تركيزي التفتّ إلى مصدر الصوت فإذا برجل أمن خاص بطول أسوار مجمعات الأمريكان السكنية وبعرض النكبة العربية.. ضحكت من السؤال وأجبتُ باسماً (وين يعني.. للسوق) حدجني بنظرة متجهمة وقال صارخاً (عوائل بس) وقفتُ مذهولاً للحظات ثم تذكرتُ بأني مازلت داخل حدود الوطن الحبيب فأوكلتُ أمري إلى الله وعدتُ إلى سيارتي.. حسبي الله ونعم الوكيل.. ليس لديّ أنياب رفاق Buffy الذين يتجولون ليلاً (أتمنى يصير سبيلنغ بافي صح).. ولا مخالب المسخ في X-men.. فلِمَ يرون فيّ بعبعاً يترصّد عفة أخواته؟  لِمَ يفترضون فيّ الأسوأ ويعاملونني مداناً حتى تثبت برائتي؟ كدتُ أعود إلى البوابة وأصرخ (أنا نباتي) ولكني خفت أن يعتبروها محاولة لقضم الزهور.. فالفهم المغلوط ليس بمستغرب هنا إذ يكفي أن تنتقد إدارة النصر ليصرخ محاورك (من زين الهلال)..
المهم.. ذهبتُ إلى سوق آخر.. ولأختصر عليكم التفاصيل فقد اعترضني ذراع آخر لحارس بنفس العرض.. عدتُ باستسلام إلى سيارتي وذهبتُ إلى سوق ثالث ورابع سُيّجت كلها بسواعد الإكس لارج..
احترتُ في أمري وضاقت بي السبل فاخترت مساعدة صديق واتصلت بأحد المتزوجين  فأرشدني إلى سوق مباح لعامة الشعب دون تمييز عنصري بين رجل يصطحب امرأة أو رجل يأتي منفرداً.. وعند بوابة السوق توقفتُ للحظات أنتظر اعتراضاً ثم دخلتُ السوق مسروراً  وكأني نيل أرمسترونغ أطأ سطح القمر.. دخلتُ أول متجر رأته عيناي وتأملتُ ملياً في المعروضات فالهدية يجب أن تكون بحجم المحبة وبعد تمعن طويل اخترت بعناية أحد الأصناف (محمد بكم هذا)
-…………………..
-(محمد)
-……………………
-(يا محمد)
-…………………….
(ياعلي يا سعيد يا مصطفى) ناديت كل الأسماء ولا مجيب.. كان البائع باسماً  يحاور فتاتين لبستا عبايات أضيق من خلق الموظف الخارج من الدوام والعالق بزحمة خريص.. وكانت عيون الفتاتين كرسمة لطالب الصف الأول ملونتان بالفاقع والصارخ ومظللتان بالغامق والداكن.. ليتهم يمنعون تظليل العيون كما منعوا تظليل السيارات.. (محمد.. بكم هذا) وحين لم يجب خرجتُ غاضباً.. قد خسر زبوناً وأنا ماذا خسرتُ.. سأجد مبتغاي في متجر آخر.. هذا البائع الأحمق الذي لا يجيد البيع.. ثم فكرت إذا كان البائع رجلاً من جنسية سعودية أو يمنية أو هندية فما المانع أن يكون المشتري رجلاً.. ثم وللأمانة المنهجية.. لِمَ يُمنع الرجل من دخول السوق بدون امرأة ولا تُمنع المرأة من دخول السوق بدون رجل..  دخلتُ المحل الثاني وبالقرب من مدخله كان هناك رجلان من جنسية عربية يتبادلان الأحاديث .. لم أكترث ودخلتُ المحل وحين أعجبتني إحدى المعروضات اكتشفتُ أن المحل بلا بائع.. قلتُ في نفسي ربما يكون قد ذهب قريباً وسيعود وإلا فإنه لن يترك متجره عرضة للسرقة هكذا .. مكثتُ دقيقة ودقيقتين ودقائق أخرى دون أن يدخل أحد.. خرجتُ في النهاية متعجباً من متجر بلا بائع وحين مررتُ بالقرب من الرجلين عند المدخل قال أحدهما (تفضل يابو الشباب) قلتُ (وين البائع) أجاب (أنا) ولا تدرون أبداً كم تمنيت لحظتها أن تكون لدي قبضة مايك تايسون  لأقلب المفاهيم الهندسية وأجعل من دقنه المثلث دائرة ومن جبينه المربع متوازي أضلاع.. ولكن رحم الله رجلاً عرف قدر نفسه قلتُ بغضب (شكراً) ومضيت بينما شياطيني تطرطع  وكأنها شوارع حينا في أيام العيد.. دخلتُ أحد المحلات بغضب استباقي وكأنني رامبو .. واندهشتُ جداً لأن البائع (عطاني وجه) بينما في المتجر عبايات معصورة كباب المندب.. ولكن الدهشة فارقتني حين رأيت مع كل عباية فتية بائعاً شاباً وسيماً وكان البائع الذي يحدثني أكبرهم سناً وأشعثهم هنداماً..
وأخيراً ولله الحمد والمنة اشتريت هدية جميلة عبر حديث ودّي مع البائع.. ووقفت في زاوية المحل أنتظر تغليفها وأثناء وقوفي اقتربتْ مني أحد المشتريات وهي تتأمل المعروضات فقالت (لو سمحت.. شوي) تنحيتُ عنها في احترام ووقفتُ في الزاوية الأخرى ولكنها استمرتْ في تأمل المعروضات والمشي حتى اقتربتْ مني ومرة أخرى قالتْ (لو سمحت.. شوي) ومرة أخرى تنحيتُ بأدب إلى الزاوية الثالثة ولم تمضِ لحظات حتى فوجئتُ بها تصل إليّ أيضاً وهي تتأمل المعروضات ثم التفتتْ إليّ باستهجان (بتشتري أنت؟؟) أجبتُ مذعوراً وباقتضاب (إيه) ومازلتُ حتى الآن أتذكر اللهجة الذليلة التي نطقتها بها.. أنقذني البائع حين مدّ بضاعتي إليّ فخرجتُ مولياً الأدبار وأنا ألعن وأشتم.. وقررتُ حين أعزم على الإهداء أن أعطي المهدى خمسمائة ريال وليشتري ما يشاء.. ركبتُ السيارة مغضباً  وحين انطلقتُ بها كانت حكاية أخرى ربما أرويها  لاحقاً

1 – تريد كل شرائح المجتمع التغيير والإصلاح , ولكنهم يريدون أن يقطفوا ثمرته دون أن يكونوا جزءاً منه .

2- كلهم يعدم المبادرة وينتظر أن يكون هو الشخص الأخير لكي يتغير وفق ما يؤمن به .

3- الناس جميعاً مصابون بتشاؤم لا يجتمع معه أمل . وهم غير مسؤولين عن التشاؤم ولكنهم مسؤولون تماماً حول انعدام الأمل .

4- أنانية مفرطة .. فلا أحد يفكر في المستقبل البعيد أو الأجيال القادمة , وأبرز ما يُردد من التراث العربي هو (أنا ومن بعدي الطوفان) و (إذا متّ ظمآناً فلا نزل القطر) .

5- غياب الآلية الإصلاحية عن الذهنية الفردية بحيث يتجه التفكير للمراحل النهائية دون محاولة التأسيس لها .

6- الصراع مع الطرق المختلفة للإصلاح حتى مع الاتفاق على العنوان العام . وبدلاً من أن تجتمع القنوات في مصب واحد يتفرع المجرى إلى تيارات متصارعة والنتيجة مياه آسنة راكدة .

7- الرضى بالقليل . والظن بأن الزواج والسيارة والوظيفة هي الهدف الفردي من الإصلاح .

8- الظن بنخبوية الإصلاح . وكأن حقوق الإنسان والحرية الفردية والمشاركة في صنع القرار غير مؤثرة في حياة الإنسان وفي بيته وفي عمله .

9- الانشغال بالأحداث الدولية . مع أن المساهمة الإيجابية الوحيدة في هذا المجال هي الإصلاح الداخلي .

10- رهاب المسؤول الحكومي , حتى وهو عينه ينادي بالإصلاح ويعمل له .