You are currently browsing the category archive for the ‘قصة قصيرة’ category.
- أبي.. لقد تعبت
- اخرس واحفر
- منذ ألوف الأعوام ونحن نحفر ولم نجد ما نبحث عنه
- وسنستمر بالحفر حتى نجده..
- ألا نكتفي بما وجدناه منها ؟
- ما وجدناه منها يطيل العمر.. ولكنه لا يتيح لنا الخلود
- ولماذا نريد الخلود ؟..
نظر إليه شزراً ولم يجب , واستمرا بالحفر
- أبي..
- ألا تستطيع الحفر ساكتاً
- أريد أن أسأل
- افعل
- كيف يبدو شكل هذه الجرة ؟
ثبت نظره في الحفرة وتوقف عن الحفر قائلاً بصوت أقرب إلى الهمس :
- هي جرة مزخرفة.. من الذهب الخالص.. مرصعة بأغلى وأندر الجواهر والدرر , عندما اختلف أفراد القبيلة أصبحت مجموعة من الأجزاء والقطع الصغيرة , تقول الأسطورة إن بعض أجزائها تتناقض مع البعض الآخر.. كأن تجد أكثر من عروة يمنى يختلفن في الشكل ونقطة الالتقاء بالجرة . وتضمن هذه الجرة لمن يستطيع جمع أجزائها والمزاوجة بينها الخلود الأبدي..
- ولكن كثيراً من الناس قد وجدوا بعض أجزائها .. فكيف سنستطيع إتمامها ؟
- لا توضح الأسطورة كل شئ.. ولكننا لن نيأس
صمتا لحظات فقال الأب :
- والآن عد إلى الحفر ولا تضيع الوقت بالثرثرة
عادا إلى الحفر لفترة طويلة , قبل أن يتوقف الفتى عن الحفر بذهول..
- لِمَ توقفت عن الحفر أيها المتكاسل ؟
- أبي.. ماذا لو متُّ ولم أجد الجرة بعد
- لن تموت
- وكيف تضمن لي ذلك وأنا لم أجد الجرة بعد ؟
- لا ضمانات
- إذن فلِم أحفر
- بحثاً عن هذه الضمانات
- وماذا إن انتهى عمري في البحث عنها ولم أجدها
- عندها تكون فعلت ما يتوجب عليك فعله
- وخرجت صفر اليدين
هدأت نبرة الأب , وقال بتوجس :
- بماذا تفكر ؟
- بأن أتوقف عن الحفر وأعيش عمري فقط .. لا أريد سواه
انفجر الأب غاضباً :
- توقف عن هذا الحمق وعد للحفر ..
عقد الفتى ساعديه أمام صدره وقال بهدوء :
- لن أفعل يا أبي
قال الأب وهو يصك على أسنانه :
- أتعنيها تماماً ؟
هز الفتى رأسه بالإيجاب , فانفجر الأب مرة أخرى :
- ستعيش ملعوناً.. وتموت ملعوناً.. يا ضيق الأفق يا محدود النظرة..
هز الفتى رأسه كمشفق , ثم أدار ظهره ومضى بينما أبوه يرعد ويزبد من خلفه
- أيها المأفون.. فكر فقط كيف تمضي يومك.. انشغل بالتفاهات واترك العظائم للعظام..
ولكن الفتى كان مشغولاً بتأمل الفضاء من حوله والمشي ببطء نحو خط الأفق .
الخصلة العابثة نفسها
والشفة المعجزة نفسها
ونظرة الاستنطاق الصامتة نفسها ..
قلت : تشبهينها
قالت : مين هي ؟
قلت : هي ..
حاولَتْ مداراة بسمتها
وحاولتُ مداراة لوعتي
**
كانت ترقص لوحدها
وكنت أشرب لوحدي
ترقص شاردة ..
يخيل إلي والراقصون يفصلون بيننا
أن لها رائحة العطر الثمل نفسه ..
قلت في نفسي : يااااااااااااااااه كم تشبهينها
فنظرت إلي وابتسمت
**
على الغداء غنت موالاً كردياً
وقفت بي على جبال الجنوب في تركيا
وقالت : كيف تنمو الوردة في الثلوج ..
قاطعتُ موالها الحزين : أحبكِ ..
وحين التفتت إلي رأيت في خصلتها العابثة كم كنت كاذباً
**
تنظر إلي بعين العطف
وتدرك أني أرى أحداً آخر ..
وأنظر إليها بعين الحيرة
وأدرك أني لم أعد أستطيع التمييز
**
غضبتْ حين تسمرت عيناي بها لأول مرة
قالت إنها زبونة وليست من دمى المكان ..
قلت : ليس للدمى هذا الجمال
فقالت : وللشعراء نفس الدمامة
**
حاولتُ تجنب النظر إليها
فوجدت يدها على كتفي وهي تقول :
لماذا كنت تصرخ في أحلامك ؟
أجبت :
لأني لا أستطيع الصراخ في يقظتي
**
على طاولتها كانت تدخن بغضب
نظرتها إلي تقول :
خليجي ثري يريد افتراس كل الفتيات..
وكنت أحاول تمييز الصورة
فأنا أعرف أنها لا تدخن ..
**
تمسد شَعري قائلة :
يا صغيري المسكين .. آن لك أن تشعر بالأمان
فدع صحراءك في مكانها .. وابكِ بين يدي
قلت :
كلتاهما لا تدعاني ..
**
نظرتْ إلي باستغراب وأنا أطرد الدمى المتحلقة
وحين قلت للمغني :
أنشدنا (حامل الهوى تَعِبُ)
انطلق ترقص متحاشية النظر إلي..
وحين ابتسمت لي بعد تهرب
قال المغني :
تضحكين لاهية .. والمحب ينتحبُ
**
قطعَتْ سرمدية السكون :
انظر .. القمر مخنوق بغيوم سوداء
قلت :
يا لوحشة النخيل
**
جاء النادل بكأس وبطاقة كتب عليها :
تقبل هذا الكأس اعتذاراً صادقاً
شربتُ الكأس ..
وأعدت البطاقة مكتوباً على ظهرها :
ولكني لا أعذر جمالكِ
**
بعد الموال الكردي أشاحت بوجهها حاجبة دموعها
وحين احتضنت حزنها
اندست كعصفور مذعور في صدري
**
صافحتني ..
قالت : أنا شيلان
قلت : كنت أعرفك باسم آخر
قالت : أريد الاعتذار
فأشرت لها بالصمت والجلوس بجواري
**
حين قالت باكية :
حدث ما خشيته .. إنني أحبك َ
توقفتُ عن المقارنة بين الابتسامتين
**
قلت : تشبهينها
قالت : مين هي ؟
قلت : هي
من الخط الفاصل بين التلاشي والانعدام أسرق قلمي الآن لأغمسه ببقية ذات.. سافرتُ ملايين الأوطان لأستبدل المنفى بغربة.. حين يعرو صفحة اليأس حجر محاولة يصبح النصر هو الخروج بخسارة أقل.. وبعد الاغتراب حد التوحش أدرك أن كل ما استطعت إحداثه هو دوائر منفلشة تلاشت بمرور الوقت..
الأحلام مطمورة بالخيبات.. والأيام تغير لون الجراح دون أن تشفيها.. أحمر.. أزرق.. أخضر.. أسود.. ألوان لجراح مفتوحة حتى مع وقف النزف ومحاولات الوقوف.. والذاكرة بلّور مهشم ملون بالجراحات المفتوحة.. وهذه الطاولة الصليب أجلس إليها كل ظهيرة فارشاً صور الجراح الملونة.. يجالسني القدر ونلعب وندخن ونضحك حتى المساء.. دائماً كان يهزمني.. ودائماً تغيب الشمس بصورة ملونة جديدة.. كنت أغسل وجهي بماء الكبرياء المقدس وألبي دعوته للرقص.. ما بعد المغيب هو احتفالية خاصة بميلاد ثلم آخر في الذاكرة.. رقص على فوهة جرح مفتوح لا ينبئ بالثوران بعد ما اغتالت فرق الإعدام الخاصة كل ثورية يمكن أن تعتري بدوياً قد يحاول دون أن يجيد إصلاح بلّور مكسور..
وعلى مفصل إعياء وسقوط وقفت دائماً بنبض ضعيف محاولاً استدراج أي كوّة للحصول على بعض القدرة..
رياح ملغومة تترصد أصنامي.. بعض أصنامي وقع والآخر رفع ذيل ردائه وانطلق إلى أضواء بغير لون الجرح.. وبقيت أنا.. تلفحني الوحدة.. حرام عليّ الوقوع.. وحرام علي اللحاق بالأضواء.. حالة انكسار متشنجة بنية الوقوف..
ارتكاب اليأس ذات سقوط جزئي ليس خيانة للصنم المكسور دون وقوع بل محاولة لدرء انهيار على وشك أن يقع حال استمرار التوحد.. ثقاب الأمل الغير مستعملة هي لعبة طفل متنحي في حال أراد بكاءً يحرم عليه..
غريباً على بعد ملايين الأوطان من المنفى.. تجلس إليّ قطة عربية.. قطة عربية دون استعارة أو رمزية.. تغفو بأمان عند قدمي وأنا أدخن بتوتر متوجساً عيوناً في الظلام..
أحمل جواز سفر وبطاقة أحوال مدنية ورخصة قيادة وبطاقة عمل.. يسألني الضابط: أين هويتك.. أرفع كتفي ولا أجيب.. يحولني للتفتيش الشخصي فيجدون في ثيابي قطة عربية مستعارة.. كانت تأكل لحمي وكنت سعيداً بمجرد أنها آمنة في ثيابي.. يجردونني منها.. الضابط يقلب رخصة القيادة ويسأل ساخراً: ومن يملك القيادة.. أجيبه: اعتزلت الأسئلة الكبيرة.. الضابط بحنق: كم تهوون دهس القطط.. أصمت مبتسماً.. لا فائدة من القول بأني بلا وطن.. سيارة رياضية مسرعة تقول: القطط حيوانات آكلة لحوم..
أخرج تاركاً ما أعرف وما لا أعرف.. أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. ستعود آمالي المدحورة رياضاً وأنهاراً كما كانت.. أضحك بعمق لهذه الشطحة.. هاهو ذا الطفل المتوحد يعبث بعود ثقاب.. (دخيل عيونك أنا.. مابدّي أوئع).. أكنس الشظايا المتناثرة وأخبئها تحت السجادة.. لم يحن الوقت للانكسار التالي.. ورغبة الطفل في البكاء تتضخم..
أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. هنا كنت أقف مكتنزاً بالنبوءات.. ثورياً كعنقود مشتعل.. لم أتدلّ.. مشرئباً يريد بلوغ أسباب السماء.. الشهقة الأولى امتدت ما بين نداء الجاذبية والنجم المرقوب.. ببنادق الصيادين اقتصرت الشهقات التالية على لحظة ولوج الرصاصة إلى ميادين اللحم.. يباساً معلقاً بقيت عوداً يرفض الاعتراف ولا ينكر الحقيقة.. يرفض الوقوع ويقدم أحلامه قربان تشبث على أمل ربيع قادم .
في تكور قبضته على الطاولة والعروق النافرة من أصابعه , في عينيه المغمضتين والحاجبين المنعقدين , ومسحة الحزن على جبينه , كان ثمة حكايات تُسترجع لا أستطيع استكناهها . وحين انشغلتُ بمتابعة مباراة البلياردو بين الفتاتين المحليتين ونظرتُ إليه أخرى كان قد طلب كأس (تاكيلا) جرعه بعنف وأردفه بجرعات من البيرة ..
غريبان في المقاعد الطويلة المستديرة على ضلعي الزاوية القائمة للمشرب وجدا في ملامحهما الخليجية سبباً للانقباض المفاجئ كهبوط ظلال قاتمة لصور الدم والعَرَق وتسلط الآلهة .. قال دون أن ينظر : من أين أنت؟.. نطقها بالطفولة الغاضبة والتلقائية التي تسكبها الخمرة في العروق , ومع كراهيتي السؤال أجبت : من الرياض , تنهد وقال : قاتلكم الله جئتُ هارباً منكم , قلتُ بهدوء : عليكم اللعنة .. أنا هارب منكم أيضاً , وضحكنا كمخمورين ..
في الحديث البعيد نطقنا أسماء الملاعين دون خوف , تحدثنا في السياسة والدين والمجتمعات وأطلقنا الشتائم القذرة دون مواربة .. اختلفنا قليلاً واتفقنا كثيراً وتمنينا معاً حريقاً يهلك الدغل كي يقتل كل الجراثيم , حجرين يلتقيان خارج مدارات الاهتزاز والتطاحن فلا يبرقان شرراً بل يصطفان عاريين في محاولة تضامن لرد البحر أو على الأقل الصراخ بجنون ضد أمواجه الديكتاتورية ..
آن صرخت الفتاة عارية البطن فرحة بفوزها كان يعصر الليمون على حواف كأسه ويضيف له بعض الملح كي يخفف مرارة المشروب وأنا أدخن بهدوء وكأننا قد تواطئنا دون حديث على صمت يحتاجه كلانا ..
نوع الموسيقى الذي لا يتغير وقمصان الهارلي دافيدسون المعلقة تشي بأن الرجل الغربي ضخم الجثة الذي كان هنا قبل دقائق هو مالك البار .. قميصه وشواربه الطويلة التي تحتل الخطوط الوسطى للدقن هي عرف لنمط حياة غربي متصعلك يتخذ الطرق الطويلة ملاذاً من المدنية الصاخبة والمثيرة للتقيؤ , جاء إلى هذا البلد الاستوائي ليعيش بسلام مخلصاً لفلسفته بينما نتزيف نحن داخل خنادق العداوة والتحفز غير قادرين على المكاشفة والتجلي .. في الغد سأتحدث عنه مع رفيقيّ ليقول أحدهم : الفرق بيننا وبينه كالقفز من منصة البانجي.. هو يريد القفز فقفز، قلتُ بغضب : فما عذري أنا وقد قفزت البانجي حين لم تفعلا .. غير قادر على القفزة الأوجب , وضع يده على حواف كأسه وأداره ببطء للجهتين دون أن يجيب ..
خلعوا امرأتي عني لعدم كفاءة النسب .. قال الغريب الذي ألقته المنافي ليشاركني اللعنات والضحك في هذا المساء السكير ، قلت: خلعوا ذاتي مني بتهمة الزندقة .. ثم ندمت على عدم إعلاني التعاطف معه حينما لم تستثره عبارتي.. مرت دقائق صمت كانت المراوح فيها تترنح لتبديد الرطوبة الخانقة قبل أن يسأل في محاولة لاستدراج أي حديث يبدد الوحشة : أين رفاقك الذين كانوا بالأمس معك هنا ؟ ، قلت : ينامون في الفندق .. وأنت ألا تنام ؟ .. فغنيت له عبارة فيروز : الليل مش للنوم أصل الليل للسهر .. قهقه طويلاً قبل أن يقول : هاهو ذا عربي أصيل لا ينسى أقوال الحكماء من مغنين ووزراء عسكريين وشيوخ كتاتيب ، فابتسمتُ دون رد ، قال مكملاً قهقهته : أتعلم ؟ توقعتُ من عمرك والوشوم في يديك والقلائد في عنقك ما تفاجئني بضده في كل عبارة تتحدثها ، قلتُ : أعرف نفسي جيداً ويعرفني الله جيداً ولا يهمني إن لم يعرفني الناس ، قهقه من جديد : وهذه واحدة أخرى ..
ثم لذنا بصمت جديد كانت دقائقه كافية لاستثارة الزبد الطافح من رؤوسنا .. رفعتُ كأسي عالياً : بصحة كل أبناء الزنا والمواكب الرسمية والألقاب .. كل تلك البقاع الملوثة بالقبيلة واللحى البلاستيكية والمجارير هي لكم , فاستثارته عبارتي حد الهيجان وقرع الكأسين بعنف , كان يشرب وعيناه تومضان بوهج الدم والبروق الخاطفة والرغبة البدائية في القتل والرقص .. يبدو بإنهاك جثة بحار طافية منذ آلاف السنين .. وحين جاءت النادلة بالكأس الجديد سألت باسمة بإنجليزيتها الركيكة : أأنتما من إسرائيل ؟ .. فكان سؤالها هو بالونة الكوميديا السوداء التي انفجرت على رؤوسنا لنضحك من جديد على أحزاننا ومواقعنا الإعرابية .. تلبس ككل الفتيات في هذا البلد تنورة قصيرة جداً وقميصاً عاري الكتفين .. اسمها (بون) وكل أسماء الفتيات هنا ثلاثية يتوسطها حرف مد كـ(توم) و (فون) .. اكتفت بقهقهتنا الجامحة وذهبت دون إجابة .. وحين جاءت للغريب بزجاجة بيرة وضعتها في حافظ برودة فليني عليه صورة اللعبة المحلية (مو تاي) وانصرفت باسمة ..
دنا مني : ما أخبار البنات هنا ؟ ، قلت : لا أزني .. فرفع حاجبيه : أراك تقبّل كثيراً ، قلت له : بحثاً عن الإلهام ، تأفف بضيق : يا لغرورك ، فحاولت التودد : القبلة نوع من العطر .. استنشاق وردة بمذاق مختلف .. أما الجنس فهو عملية حيوانية مقززة ودهس للورود ، زم شفتيه : ربما .. ثم عاود الضحك : قد تقبّل ليدي بوي وأنت تخاله فتاة ، قلت : وما الأهم .. حقيقة الأشياء ؟ أم ما نعتقده عنها ؟ .. هتف بظفر وقد عثر على سقطة مستذكي : انتبه أن تخالف فلسفتك ، بتهرب قلت : لا تحتاج الحياة إلى محاولة فهم بقدر محاولة جعلها أجمل .. رشف الجرعة الأخيرة من البيرة بحزن : يسهل البحث عن مواطن الجمال حين لا تدمى الذاكرة .. وحين لم أجد ما أقول لذتُ بالصمت ونحن نتابع معاً الشارع الخالي سوى من عبور بضع دبابات وعربات التك تك ..
لأيام تالية ستروي النادلة لرفيقاتها عن سكيرين شرقيي الملامح تحدثا طويلاً وضحكا طويلاً وبكى كل منهما وهو يشيح بوجهه عن رفيقه ثم تجادلا لخمس دقائق حول من يدفع الحساب .. وتركا لها بخشيشاً كبيراً …
يحدث للصدفة فقط أن تهوي بك سبعين خريفاً في مرارة الفقد.. كنتُ قد تركتُ الماضي خلفي وعدوتُ هارباً.. وحين تعثرتُ به اكتشفتُ أنه كان أمامي دائماً.. هل تعثرتُ بنفسي..؟ وهل عقلي الباطن هو ما كان يلاحقني وأنا أتوهم تظليله..؟ لم أكره في حياتي علماً كعلم النفس.. حين اقتنيتُ تلك المجموعة من كتبه أكملتُ قراءتها ببطء واستثقال ولم أعد لذلك حتى اليوم.. داهمتني فكرة الخوف من فهم نفسي.. أن أعرف ميكانيكيتي فهذه هي لحظة تنفيذ الإعدام في التلقائية والبديهة.. أن أعرف نفسي يعني محاولة أن أكون أحداً آخر بحثاً عن الأفضلية وترقيع الفراغات في رداء الإنسانية القصير الذي لا يستر أجزاءاً إلا ليفضح أخرى.. ويصبح دارس هذا العلم في النهاية كالغراب الذي لم يُجد المشيتين..
الآن وهاجس افتراض ملاحقة عقلي الباطن لي يفترسني ألعن هذا العلم وأردد المقولة الشائعة عنه لدى المجتمع السعودي بأنه (علم نقص) لا علم نفس.. لم أعد متأكداً من شيء ولكني أشبه بهارب تطارده أصوات الأشباح وكل ما يسمعه هو خشخشة الحقيبة فوق ظهره.. لا أدري كم بقيت هارباً ومرتجفاً ووحيداً حزيناً مهلهل الرغبات ونافراً من كل شيء.. ولكني الآن فقط.. الآن أتعثر وتتكدس فوقي مشاعر شتى وكأني من أحرز هدف الانتصار..
يتسرب العمر من كفيك قطرات ماء صافية لا تستطيع الإمساك بها ويتبقى الشوك مغروساً في أصابعك.. تخفق بجناحيك بعنف تريد أن ترحل إلى جزر المرجان والنخيل وأكواخ القش والفاكهة الاستوائية فتجد أن أي شوكة لم تسقط وأنك لن تستطيع النوم إلا بأقراص تتناولها دون وصفة..
مذ رحلَتْ مررتُ بعدة مراحل وبقيتُ في النهاية جرحاً مفتوحاً وبركاناً خاملاً وقلماً محسور الغطاء.. أطعمتُ أسماكي وتملقتُ رئيسي وذهبتُ إلى النادي وشربتُ يومياُ عشرات فناجين القهوة .. لا شيء تغير.. الآن أدرك أنني مارستُ كل شيء وأنا مزروع في المكان نفسه.. اندثرت المحطة وتلاشى الدخان ومايزال صفير رحيلها يهرش في داخلي قافية مبحوحة..
قرأنا صغاراً أن الصدفة يجب أن لا تدير القصة ولا تتدخل في أحداثها وأن ذلك عيب في البناء.. ولكني هنا لستُ قاصاً ولا حكواتياً يجمع الحارة حوله بعد المغيب.. أكتب لكم الآن لكي أنثال دون تحفظ ولو لمرة واحدة في حياتي علّي أستطيع أن أخرج هذه الزفرة السوداء من صدري قبل أن أموت اختناقاً..
كان كابوساً أو رؤيا أو أضغاث أحلام ولكنها جاءت بكل ما تستثيره سيجارة في المقلع قديماً عن التدخين.. بفجائية القدوم وكراهية الحضور وبالشبق الأول.. زارتني في المنام.. هل عليّ أن أخلق عقدة أقوى لحبكة أفضل.. وهل عليّ أن أعتذر مرة أخرى عن عدم كوني قاصاً ولا روائياً.. كنتُ أقود السيارة في طريق مظلم يبدو أحد الطرق السريعة.. لا أتذكر شيئاً من أحاديثها ولكني أذكر جيداً فرحتي أثناءها وكيف تمنيتُ لو يطول الطريق فلا نتوقف أبداً.. فعلتُ مكرهاً وتوقفنا عند محطة مضاءة يجتمع عليها خلقٌ كثير.. وللمرة الأولى أراها في هذا المنام.. كانت متدثرة بخمارها الأسود ويدي ماتزال تمسك يدها.. ياااااااه ما أصعب انتزاع الحلوى من يد طفل.. وما أصعب أكثر طفولة الكبار التي تجبرهم على التخلي عن حلواهم طوعاً ودون بكاء.. على الأقل ليس ظاهرياً.. وحين تخليتُ عن يدها للحاق بجموع المصلين إلى المسجد رأيتُ وقتها فقط كم كانت أصابعها نحيلة وطويلة ومعقوفة كمخالب الحيوان المسمى (الكسلان).. وقبل أن يعتريني الذهول كنوبة برد أفقتُ على صوت المؤذن لصلاة الفجر.. كان حضورها حتى في المنام شحيحاً كفرجة ضوء في كهف مسدود.. ولا أدري أي شاعر قال :
ولا قرب نعمى إن دنت لك نافعٌ … ولا نأيها يُسلي ولا أنت تصبرُ
ربما كان أنا في زمان سحيق.. وها أنذا الآن أرتجل البيت لأول مرة مرة أخرى.. أثناء الصلاة قلتُ لنفسي إن المنام حين ينقضي بصوت المؤذن فجراً رؤيا وكشف من الله.. وفي ترك يدها للذهاب إلى الصلاة رمزية واضحة.. غفل محدثي عن إفساده صلاتي بهذا الحديث.. واستيقظتْ البقية المتذكرة من علم النفس التحليلي وتفسيرات فرويد للأحلام لتفسر الخمار الأسود بالغياب والمحطة بالتمرحل والطريق المظلم بحياتي غير واضحة المعالم والأهداف والمسجد بشرعية الحب.. وبين الميتافيزيقي والماركسي كنتُ أنا الحقيقي أصرخ دون صوت وكأن حبالي الصوتية قد تآكلت جميعها.. ما الذي قد يعرفانه مجتمعَيْن عن فورة الجرح حين يُطعن أخرى وهو لمّا يلتئم بعد.. بقيتُ طويلاً كمصور مبتدئ يضبط تركيز البؤرة على هدف قريب لتصبح الخلفية ضبابية.. ومع اختلاف الأهداف بقيَتْ هي خلفية ضبابية ثابتة.. أعلم أنها هناك وأحاول تناسي ذلك والتشاغل بهدف الصورة.. لم أكن قوياً ولكنها نقضتني من بعد أنكاثي أنكاثاً.. مجيئها طيفاً عابراً في منام كان طفلاً في ساحة معركة منقضية يقتل جريحاً لا يستطيع النهوض..
وأمص السيجارة بعنف.. الخدر الشجي والدوار الخفيف والجرح ينزف مرة أخرى.. ككل الفراشات التي تموتُ احتراقاً أهرع إلى الصندوق القديم في مخزن الأمتعة.. أركض به إلى غرفتي وأنشر رسائلها على السرير.. أقرأ كل واحدة على حدة ثم أنشرها بتشكيل مختلف.. أصورها بجوالي.. أمسح الصورة.. ورائحة الاحتراق تأتي ربما من كوة منسية.. توهج الجمرة احتفاء صاخب بإياب مهاجر عاد بخفي حنين.. يخيل إلي أن رسائلها مازالت تحتفظ برائحة العطر الذي أهديته لها.. أوراق بيضاء وأخرى ملونة.. أوراق برسوم بسيطة وأحرف إنجليزية.. دفتر تقويم كامل على كل ورقة منه خاطرة أو عبارة أو رسمة أو جملة من أغنية أو حتى كلمة واحدة كثيراً ما تكون (أحبك).. أتأمل بستان رسائلها مفروداً على كامل سريري.. أعود وأرمي برأسي إلى الجدار باستسلام.. الدوار الأول والرعشة الأولى ونقطة الصفر.. أنفض رماد سيجارتي فلا تذهب به الريح.. لم أستطع الإقلاع عنها حتى بعد أن قتلتني..
حين تزوجَتْ نفضتُ رأسي ألف مرة محاولاً التخلص من صورتها.. وحين أشعلتُ ناراً هندوسية تحرق رسائلها كي يموت حبها بسلام كانت النار حزينة وكنتُ أحاول التماسك.. وكان قلبي هو الشيء الوحيد الذي احترق ذلك المساء..
أخبرتني أمي بأن ابنة فلان ستتزوج فركضتُ إلى الفناء ألاعب أطفال العائلة.. استرقَتْ النظر إليّ أكثر من مرة لتتأكد من ردة فعلي.. أمي وحدها تعرف بحبي.. ووحدها تعرف بأنه أطهر من الحب ومن الطهر نفسه ولهذا خشيَتْ علي الحزن.. لأن الحب الطاهر فقط ما يورث الحزن والانتحار كمداً.. استأذنتها قبل الزواج بأيام بالسفر فودعتني لأول مرة دون وصايا.. نظراتها مواساة غير مواربة وأنا أبتسم محاولاً تبديد قلقها.. وحين كانوا يزفون قمري إلى فضاء آخر كنتُ على بعد آلاف الأميال أرقص كذبيح.. أدور أدور بانتشاء مصطنع وأحاول إطلاق أي ضحكة مهما بدت سخيفة.. وأقلب في وجوه الدمى.. ويا للعجب.. كنّ كلهنّ هي..
بطلوع الفجر لبستُ قناعي وقلتُ: هي الآن لرجل آخر ولن أكون من يفكر حتى التفكير بأشياء غيري..
لو أن طيفها المترصد كل هذه المدة لم يستغل بيهودية نومي لما رأيتُ وجهي الحقيقي في المرآة حين غسلته.. أشلاء القناع غير قابلة للإصلاح وأنا لا أرغب بمزيد من التدخين.. سأغسل حزني بماء الصبر وأجففه على نار رسائلها وسأبدأ من جديد بإطعام أسماكي وتملق رئيسي والذهاب إلى النادي وشرب القهوة ولكن خارج المنفضة..
سيزيف يحرق الرسائل ويطفئ سيجارته الأخيرة ويدير ظهره إلى الصخرة والجبل.. سأورق في السهول..
في جوالي.. الرسائل الواردة 1 :
((سامحك الله لِمَ تركت يدي حتى في المنام))
قلتُ لأخي الأكبر: أنت لو عشتَ في قريش لما صدّقتَ بمحمد ولرجمته بالحجارة مع الراجمين.. قال: ولأني أرفض إطالة الشَعر ترى بأني لم أكن لأسلم.. قلت: الأرضية في التعاطي مع المتغيرات واحدة.. من يرفض إطالة الشَعر لما تشكله من خروق للعادة فرفضه للإسلام في قريش أولى إذا الارتكان إلى الموروث وكلام الناس وشرع القبيلة هو الذي يرفض المظاهر الجديدة ويصر على عبادة الأوثان.. هتفَتْ أمي بحرقة: التمسنا منك نصحاً لأخيك الصغير فإذا بك تؤيده.. دار في رأسي حديث كثير عن المتغيرات الثقافية والتعاطي معها.. ولكني حاولت التبسط.. قلت: لأنه يطيل شَعره فهو لن يدمن المخدرات ولن يسرق أي سيارة.. هو يحقق ذاته ولو في شيء وهمي ولكنه علني.. الخطورة هي في المجاراة الظاهرية مع تحقيق الذات في أشياء سرية.. هو على الأقل يخوض في مباحات مدنية.. قالت بضجر: كل عيال الناس لم يطيلوا شَعرهم ولم يدمنوا المخدرات.. لم أشعر برغبة في إكمال الحوار نفسه الذي يستدرجه في كل مرة مسبب مختلف.. توقفتُ عند هذا الحد.. كيف ستعلم أمي الطيبة عن الدهاليز السرية لإفشاء الرغبات.. كيف ستعلم عن الوجوه القبيحة التي تتجرد من أقنعتها الاجتماعية لتمارس انفجار الضغط بصورة سلبية.. كيف ستعلم عن ممارسات السعوديين في الخارج حين يتواجهون مع ضمائرهم دون مجتمع مطبق كجرس كنيسة على رخام.. المجتمع الذي علمهم ذلك بمقولة (ديرةٍ ما تعرف فيها أحد……………………….) علمهم أن الرقابة هي للمجتمع فقط وليست لله أو للرقابة الذاتية..
كنتُ أمارس رياضة الجري على محيط جامعة الأمير سلطان وعيون الجميع تطاردني ككائن فضائي هبط بطبق طائر.. إلامَ تبحلق أيها المجتمع اللواطي السحاقي الدجال.. ليس لدي ما أخفيه.. هذه الفانيلة بلا أكمام هي أقصى أستاري.. وهذا الوشم بهيئة فأس على عضدي هو وشمي أنا لا وشمك أنت.. اخترته بهذا الشكل لأكسر قيودك وأشرئب بعنقي لأتجاوزك بحثاً عن هواء نظيف.. أضع السماعات في أذني وأرفع صوت evanescence أصرخ معها بنَفَسٍ أقوى bring me to life ووشمي يجتذب نظرات الاستهجان كمغناطيس ملقى في برادة حديد.. وربما التعليقات السخيفة من نماذج مثالية وفق هيئة المواصفات والمقاييس الاجتماعية.. نماذج تأتي إلى الممشى بكامل هندامها الرسمي.. تحمل الجوال بيديها الاثنتين تبحث عبر البلوتوث عن الأسماء النسائية.. وتلاحق الفتيات بوقاحة مطلقة.. هكذا تريد لي أن أمارس الرياضة أيها المجتمع !!؟ (…….you).. أشعر بالخزي.. أشعر بالعار منك.. أشعر برغبة صادقة في الاعتذار لكل الأجانب في الممشى.. أمامي مجموعة شبان أنيقي الثياب محجري الغتر محجري الفكر والأدب تشخص أبصارهم معاً إلى سيدة عربية تمشي برفقة زوجها.. تلتفت رؤوسهم معاً وكأنهم يتابعون كرة مضرب حتى تتجاوزهم السيدة وزوجها.. يا للصفاقة.. يا للصفاقة.. وهناك سيارات مضاءة المقصورة محملة بفراغ تام وأجساد ضخمة تمشي الهوينا وتلقي الكلمات البذيئة على أسماع الفتيات.. أريد الاستيقاظ في كوخ قش على جزيرة وحيدة في المحيط.. همهمة الأمواج الخافتة لا أحتاج معها إلى جهاز تسجيل.. وحفيف النخيل الاستوائي أجنحة تحلق بي إلى السماء.. والتضاريس العذبة للجزيرة أقرأها فأنسى كل قصائد بندر بن سرور.. أغمض عيني.. أفتحهما.. مازلتُ هنا.. على الممشى.. الشباب المتهندم يطاردون الفتيات ونظرات الاستهجان تلاحق وشمي.. أجري بغضب.. أجري.. أنا سعيد عويطة.. وأنتِ ياevanescenceء.. bring me to life.. وهؤلاء كلهم سيبقون مطمورين في قبور أجدادهم.. هربتُ من أجداثهم لأول مرة إلى عواصم عربية.. وهناك رأيتهم على حقيقتهم.. بالحشف وسوء الكيلة.. أعراب جاؤوا من الجاهلية بالفظاظة نفسها والرؤوس الحجرية نفسها.. ولكن بعد أن تركوا أخلاقهم ومروءتهم.. صرتُ أبحث عن أي بلد غير عربي أسافر إليه كي لا أشاهد مخرجات مجتمعي.. بلد لا يعاملني أهله كرغبة جنسية في جيوبها نفط كثير.. أعتذر إليهم بأدب وأعذرهم وأنا أشاهد ملتحٍ سكير ينثر ما يوازي الدخل الشهري لأسرة من الطبقة المتوسطة على نهدين يحاولان الانعتاق.. تمنيتُ لو أستطيع نقل المشهد إلى أمي.. هؤلاء هم (عيال الناس).. وهؤلاء من تريدين لأخي الصغير أن يصبح مثلهم.. أمي البسيطة الطيبة التي لا تتحدث إلا بالقرآن وتكذب انقسام المطاوعة على أنفسهم.. تقول: لا صحوة ولا جامية ولا تبليغ إن هي إلا أسماء سميتموها.. فأبتسم بمرارة وأنا أتذكر خطبة الجمعة الأخيرة.. استمر الخطيب الجامي كما علمتُ لاحقاً لأربعين دقيقة في كيل الشتائم وصب اللعنات على جماعة التبليغ.. منابر الجمعة أضحت نطعاً لسلخ الجميع.. المفتي يسب شيخاً إسلامياً.. الجامي يلعن التبليغ.. وآخر يقذف عرض وزير.. ورابع يسب الإعلام وأهله ويدعو عليهم بالويل والثبور.. يخيل إليك أن هذا المجتمع استوى بصورة تامة حتى انقسم على نفسه ثم تدرك أن خطبة الجمعة معزولة عن سياقها الديني الأخلاقي وهي مجرد نتاج لهذا المجتمع العفن.. يتفنن الخطباء بكل ألفاظ الهجوم على كل الجهات ويتركون واجبهم التوعوي الأخلاقي وما بعث نبيهم إلا ليتمم مكارم الأخلاق.. أدراج الأحذية على أبواب الجوامع فارغة بينما تتناثر الأحذية بعشوائية وكثيرٌ منها يتجاوز العتبة إلى داخل الجامع.. السيارات المركونة كيفما اتفق والتي تغلق كل الشوارع حول الجامع لا يمكن أبداً أن تنبئ إلا عن تخلف شديد يفضح الفشل الذريع لخطباء الجوامع.. هذه الجمعة.. اللهم العن اليهود والنصارى.. الجمعة القادمة.. اللهم العن الروافض الكلاب.. الجمعة التي تليها.. اللهم العن أهل الصحافة وأذناب السفارات الغربية.. ثم.. اللهم العن أسرة طاش ما طاش.. و.. اللهم العن جماعة التبليغ.. وليس آخراً.. اللهم العن الشيخ فلان.. آآآه الآن أدرك لماذا لا نستطيع تسجيل أي تقدم على أي صعيد.. لأن القيادات الدينية التي يؤمّن العامة خلفها ببلادة تمارس الهدم بامتياز ولا تجيد رفع أي لبنة.. دعاء واحد لا يستطيعون الجهر به.. اللهم العن السلطان.. أفكر ماذا سيحدث في السعودية لو زالت وزارة الداخلية.. السنة سيقتلون الشيعة ثم سيقتتلون فيما بينهم.. النعرات القبلية سنصبح معارك طاحنة.. المشايخ سوف يقتلون بعضهم.. والجماعات الدينية ستتقاتل حول الكعبة.. ولكنهم جميعاً -وهذه هي المفارقة المبكية- لن يشنقوا أي إقطاعي يهودي يمص دم الشعب..
يمه .. خلوا اخوي على كيفه
ضوضائهم تصيبني بالغثيان.. ولون الطاولات الأخضر الباهت ينضح بكآبة طافحة.. بقايا الزينة المتهدلة تلتمع كأحمر شفاه على شفتي غانية.. هذه الزينة التي لا تستمر لأكثر من أسبوع يتم خلاله اختيار أجمل فصل في المدرسة لتصبح لاحقاً تجاعيد مشينة بعد تمزيقها والتراشق بها في الفسح مع تشبث أطرافها بحائط مبقع بوسائل تعليمية تحمل من ذكريات الشِلل المتعاقبة وتشجيع الهلال والنصر والإتحاد وعبارات الفخر القبلية أكثر مما تحمل من العلم.. فتحات المكيف المفغورة دون أسنان هي مثار خصومات على أنفاسها الباردة لا تنتهي في كل فصل إلا بتحطيم كامل أسنانها كتسوية تبدو عادلة ولكنها تصب في صالح أحدهم.. الجدران هي الأخرى استحالت كشكولاً متنوع الإمضاءات والعبارات.. والقريبة منها أصبحت براشيماً مأمونة العواقب.. بخلاف الطاولات التي لا يمكن الاعتماد عليها إلا في رسومات السيارات والأحرف الإنجليزية التي عادة ما تكتب على شكل معادلة رياضية A+b
ندمتُ على عبارتي القفلة.. ((انتهى درس اليوم وبإمكانكم التحادث أو مراجعة بقية المواد)).. وددتُ لو أني أكملتُ الدقائق المتبقية من الحصة بالحكايات المستهلكة لطرفة بن العبد أو امرئ القيس.. كفوشار في مقلاة بقيتُ أطالع ساعتي ثم أغلقتُ الباب ورائي في نفس اللحظة التي دق فيها الجرس..
في غرفة المدرسين الملبدة برائحة الفول والشكشوكة.. هذه المصفاة التي لا تكرر إلا أحاديث السياسة والأسهم وقضايا المعلمين.. ترتيبها البسيط المتمثل في رص الطاولات على شكل مربع واسع وبرادة مياه صغيرة في الزاوية بحيث لا يترك للفطور إلا افتراش المنطقة الشاغرة في وسط المربع.. هذا الترتيب لا ينعكس في الفضاء حين تختلط أصوات المدرسين كلهم أثناء في الفسح.. هذا الوطن العربي المصغر بتلاطم أمواجه وتناقضه ومودته واتفاقه على عدم الاتفاق فيه سوداني جنوبي حانق على الحكومة لاضطهادها الجنوب وحانق على الجنوب لجعله القضية دينية.. وسوداني شمالي يقول بأن كل الدول العربية بما فيها مصر والخليج تساعد أمريكا في دعم ثوار الجنوب الانفصاليين.. فيه مصري إخواني.. وآخر يلعن الحكومة المصرية كل يوم.. يقول بأن هذه هي ميزة الغربة.. أن تلعن كل اللصوص في وطنك دون خوف.. فيه مصري كوميدي يوزع النكات بلا ملل.. وسوري يهز رأسه بأسى ودون أن ينطق في كل مرة يأتي فيها ذكر لبنان.. أما السعوديون فبعضهم يردد في كل يوم نفس المواضيع التي أقرأها في الإنترنت ليلة البارحة.. وبعضهم يتحلق على حاسب محمول موصول بهاتف جوال ليتعرفوا على أسعار الأسهم.. ومجموعة صغيرة لا تمل النظر إلى جوالاتها وتبادل ما فيها.. هذه المجموعة لا تدور أحاديثها إلا همساً.. الموضوع الوحيد الذي يطرب له الجميع ويساهمون فيه هو الجنس الذي يبدأه غالباً المصري الكوميدي بنكتة يضحك لها مجاوروه فينتبه مجاوروهم ويطالبونه بإعادتها ثم ينتبه الآخرون وهكذا حتى تضحك الغرفة كلها بنَفَس واحد.. وطن عربي مقموع يجد متنفسه الوحيد في شحذ موهبته الكلامية.. على السطح هناك خصومة ملحوظة غير مرئية بين مدرسي المادة الواحدة الذين يجتهدون في الدروس الخصوصية أكثر من اجتهادهم داخل المدرسة وكثيراً ما جعلوا من تدني الدرجات المُسَبَّب مسوغاً لتهافت الطلاب عليهم في بيوتهم.. رئيس جماعة التوعية الإسلامية هو المدرس الوحيد الذي لا يختلط بأقرانه ويقصر اجتماعاته بأعضاء الجماعة من الطلاب في غرفة التوعية الإسلامية التي تنتبذ ركناً قصياً في الدور الثاني.. الطاقم الإداري شبه معزول عن المدرسين.. فالمدير قد عزل نفسه اختيارياً لمنع تأثير العلاقات الشخصية على العمل ويكتفي بإرسال سكرتيره الذي يسميه المدرسون (رقيبٌ عتيد) لحمله تقارير الحسومات وبث التعاميم التي لا تروق لهم في كل مرة.. بينما الوكيلان غارقان في مشاكل الطلاب.. الطلاب الذين نَمَت عليهم عروق السأم وهم مغروسون في كراسي خضراء باهتة تتكرر عليهم دروس تلقينية مملة لا تنتهي إلا ليستغل المدرس بقية الحصة في دروس تلقينية من نوع آخر.. يمكن تصنيفها وفق معيار ثنائي الأقطاب لا يعترف إلا بمصطلح كفري إسلامي أو تقدمي رجعي بحسب الملقن.. ينتظرون الفسحة بصبر فارغ ليمارسوا بعض العفوية وقضم الساندويتشات والتراشق بالمياه أو بعض السلبية باجتماعات قليلة العدد تخطط للهروب أو تتغامز باتجاه طلاب أصغر سناً.. يبدون مكرهين على الحضور.. حتى إذا وصلوا السنة النهائية أصيبوا بسُعار درجاتي مريع.. تعلموا قبل العلم أن العلم وسيلة وأن الغاية هي الوصول للسنة التالية ثم الخروج من المدرسة بنسبة مؤهلة.. آخر سؤال تقليدي ألقيته عليهم تفاوتت إجاباتهم عليه.. أحد الطلاب قال باسماً (سأتجه للقطاع الصحي) فسَرَت همهمات ضاحكة في الفصل.. طالب فلسطيني قال (سأدرس الهندسة في مصر).. آخر سعودي قال بغرور (ورقة اعتمادي مختومة في الكلية أحتاج فقط للنجاح بأي نسبة).. طالب ………………. ولا أدري ما أقول.. بأي كلمة أداري هذه السوءة الفاضحة.. بدون !!.. هل يمكن أن يولد الإنسان وينمو في بلد وهو لا يحمل جنسيتها ولا أي جنسية أخرى.. إنسان من خارج الكوكب.. جنسيته بدون.. بدون.. هذه الدولة الهلامية التي تستوعب عشرات الآلاف في أكثر من بلد خليجي دون أن تؤمن لهم عيشاً شريفاً ولا دراسة جامعية ولا تأميناً طبياً ولا ضماناً معيشياً.. يحصلون على قوت يومهم بعناء.. ويسيرون بين الناس بنقص فاضح.. يلفظهم المجتمع ليمتهنون السرقة وترويج المخدرات.. الإثبات الوحيد بأنهم موجودون هو النظرة المسغبة وورقة رسمية تفيد بأنهم بدون.. بدون جنسية.. بدون طموح.. بدون أمل.. بدون لسان يتحدث فيسمعه المجتمع.. المجتمع الأبله المقعد الذي يبحث تفجيرات العراق وقيادة المرأة وموديلات السيارات وينسى أن يدفع كرسيه المتحرك إلى الأمام.. لم أستطع تجاوزه وقد سألت الطلاب بالترتيب.. خطرت لي فكرة التوقف فخشيت أن يستشعر ما في نفسي.. ولا أدري أخشيت عليه من السؤال أم من عدم السؤال.. لم أرِد أن يستمر التردد لأكثر من اختلاجة.. فدفعتُ بالسؤال إليه برفق وبصوت خفيض وكأنه اعتذار مبطن لما قد يثيره من جراح مفتوحة.. بابتسامة باهتة أجاب (وين يعني.. إما حارس أمن في شركة خاصة أو موظف كابينة هاتف) قلتُ بإشراق مصطنع (تفاءلوا بالخير تجدوه).. وأكملتُ سؤالي التقليدي وأنا ألعن علامته الاستفهامية.. إلى أي حد نستطيع التجرد من مشاعرنا وتشكيل برودها بنفس القدرة والحرص على التشكيل الرسمي للشماغ على رؤوسنا.. جسّدتُ بقدرة فذة لا يجيدها إلا منتوجات هذا المجتمع الدور الفاشل لماري أنطوانيت.. سيقول: وما يدريك أنت أيها المعلم (السعودي) ابن القبيلة المعروفة.. وحتماً فإني لا أدري.. (واللي إيدو بنا مش زي اللي إيدو في المَيّة).. وحتماً فإن مجتمعي لا يدري فهو غارق في (الميّة).. مياه عفنة موبوءة.. مياه راكدة آسنة هي كل ما نملكه من موروث نسميه عادات وتقاليد.. كدتُ بعد سؤال طالبين أن أعود إليه معتذراً.. ولكني لم أفعل.. أنا جزء من الحدث وأتحمل حتى مع رفضي لها أخطاءه.. فمع أن الله يقول {ولا تزر وازرة وزر أخرى} إلا أن المجتمع يقول (الشر يعمّ).. وها أنا محمّلٌ بأوزار مجتمعي فالساحة تطبق تعاليم المجتمع لا تعاليم الله.. لن تستفيد يا يوسف من درجاتك العالية.. لن تستفيد من خلقك الرفيع.. ولا من تدينك المنضبط.. خذ حفنة من الحبوب المخدرة وتاجر بها في الممرات المظلمة.. ستقضي بقية عمرك في السجن فيما يُطلب من مختلسي المليارات تقديم استقالتهم فقط.. ولا جريرة.. فالقاضي هو مجتمع بليد يضع على مكتبه يافطة كُتب عليها [الحاكم بأمر الله]
نشرة جوية.. هيب هوب.. من سيربح المليون.. مهرجان أبها.. برنامج إفتاء.. مباراة أوروبية.. تقرير عن الأسهم.. وأصوات أخرى متداخلة بصخب.. فقط حين أكون هنا أدرك أن الضجيج ليس قادماً من رأسي.. أتململ في مكاني.. أشغل التلفاز.. أغير القنوات بسرعة ثم أخفض الصوت.. والأصوات مازالت ترتفع وتضيف أصواتاً جديدة إلى خليطها الغوغائي.. أطفئ التلفاز في محاولة أخيرة لإخماده.. ربما كنتُ أظن أني بهذا الفعل أستطيع التخلص من كل التلفزيونات المجاورة وأصواتها التي تخترقني كموجات كهرباء تصعق متهماً بحثاً عن اعتراف.. أذناي غشاء بكارة يُغتصب.. ورأسي شوكة رنانة تهتز.. لم يعتد هذا المكان رغم التردد اليومي عليه.. هل نعتاد ما لم نعتدْ عليه.. وهل سنحتاج إلى محاولة اعتياد للتخلص من عاداتنا.. هل ذواتنا هي مجرد مختبر عادات.. مزرعة عادات بكتيرية تنمو وتغطي السطح نافثة العفونة.. وأخرى تفشل لأنها في وسط غير مناسب.. هل مردّ الأمر إلى خصائصنا الذاتية التي نرى من خلالها الأشياء فنتماهى معها أو نقف معها بتوازي دون امتزاج.. ذواتنا التي نرى من خلالها الأشياء فتتغير معالمها بتغير جهة الرؤية.. و(كلٍ يشوف الناس والأماكن والأحياء بعين طبعه).. وإلى أي حد نستطيع إنصاف المرئيات من ذواتنا.. أيعقل أن أطفئ جهاز التلفاز شبه متصور أن بقية الأجهزة ستنطفئ..!!
جاء نظير بالأرجيلة.. ركزها أمامي ككوبرا في وضع مهاجمة تستعد لأن تنفث السم.. وضع الجمر فوقها وأخذ يسحب أنفاسها ويسعل.. أصعب أنفاس الأرجيلة هي الأولى التي تشعل الرأس.. ونظير يسعل بقوة.. يخيل إلى أنه على وشك التقيؤ.. يناولني اللي والمبسم ويمضي مسرعاً إلى طلبٍ آخر.. لم نتبادل أطراف الأحاديث كالعادة ربما هروباً مزدوجاً من ذكرى بكاء البارحة المشترك.. نظير الذي جاء إلى الرياض يحلم بالعمل في بلاد الإسلام والعودة ببيت ومزرعة صغيرة والكثير من الملابس والبطانيات هاهو يجد أن العمل الحلم هو افتداء الزبائن بسحب أصعب أنفاس الأرجيلة عنهم في هذا الجحر المعتم والإقامة فيه.. بعمل اثنتي عشرة ساعة يومياً تتأخر رواتبه لشهور.. يواجه السخرية والاستهزاء والتعنيف والسباب وربما الضرب من نماذج تجهل كل أبجديات الذوق العام والأنظمة المدنية وحتى التعاملات الإسلامية.. ولِمَ لا.. أليسوا روّاد مقاهٍ ؟ كأنهم يثبتون رؤية مجتمعهم بافتراض الأسوأ منهم تحت قبة وهم نقاء وطهر بقيته.. خراء.. نسيج اجتماعي فاشل للحية مصطنعة وشاب مهروس ومسن معلق بين زمنين لا ينسى الأول ولا يستوعب الثاني.. بأي تصور سيعود نظير إلى بلده.. وهل يهمهم تصوره.. نحن كنا وسنبقى شعب الله المختار.. وهذا البنغالي يجوز لنا احتقاره لأنه بنغالي.. شباب فارغ يمارس التفحيط واللواط ويسب الحداثة والشيعة دون فهم أو حتى محاولة فهم.. شباب مفرّغ.. فرّغه المجتمع وافترض منه الأسوأ وخلق له المبرر والذريعة ومهد له خط الرجوع.. (يكبر ويتزوج ويعقل).. سيناريو مريح جداً يبيح العوار الاجتماعي وينهيه بنقطة البداية.. نتدثر بزيف الطهر دون أن نغتسل من أخطائنا.. والزواج هو دائماً مزلاج الحلوق الوالغة.. صرنا أعلى معدل انفجار سكاني.. كل متزوج هو قنبلة موقوتة تنفجر دزينة أطفال دون تربية ودون أبوة.. البعض ينفجر مرتين.. واحدة قطع لحم تكبر عضوياً فقط.. والأخرى قطع لحم تنتثر على أبواب مصفاة.. مجتمع مزيف.. مجتمع الـ(أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة).. نسي أدب القرية ولم ينسَ سخافاتها.. واستوعب مادية المدينة ولم يستوعب ثقافتها.. يحفظ الشعر الشعبي ولا يفهمه.. ويسمع أغاني الراب ولا يفهمها.. بأي تصور عنا سيعود نظير.. نظير الذي بكى ليلة البارحة وأبكاني.. كان قد بشرني بقرب سفره وهو يريني صورة ابنه نظمين أو كما ينطقها بالبنغالية نازمِن.. شامة سوداء كبيرة على طرف جبينه استوقفتني.. قال إنها عن العين فابتسمتُ في سري وأنا أراه طفلاً عادي الملامح حنطي اللون داكنه.. عادي الملامح وإن شعّت عيناه بطفولة بيضاء.. عذرتُ أبوة حانية تتمنى فقط لو استطاعت تجاوز آلاف الأميال وليالي الشظف وعناء الغربة لتمسح على رأس ذلك الطفل وهو نائم.. سألته عن عمره فأجاب سنة ونصف.. ومنذ متى لم تسافر.. منذ عامين.. ندّ مني سؤال سخيف.. وبقدر بداهة إجابته كان استنكارياً لا استفهامياً.. قلتُ (يعني ماشفته أبد ؟) أجاب وابتسامة صفراء تكاد ترتسم على شفتيه (أيوه) ورأيتُ في عينيه للمحة حقولاً شاسعة من الأرز والشاي وساعات طويلة في الطائرة وسنوات لوعة واغتراب وقسوة وإنهاك وتأشيرة ومطارات ورغبة حزينة لأب في ضم طفله الذي يكبر في البين وهو لمّا يره بعد.. لمحتُ في عينيه إلياذة مأساوية قبل أن تتسرب فيهما قطرات مائية كادت تنثال قبل أن يشيح بوجهه ذاهباً.. عذراً يا نظير.. عذراً لأننا نعنون مآسي غيرنا بالملهاة ونضحك لها حد خروج الدمع.. كدمعك ودمعي بعد أن تركتني.. لكنه دمع حلو بحلاوة مجتمعنا المثالي وتناسقه التام بهذه الصورة المتكاملة.. عذراً يا نظير إن لم نفهم الجانب الإنساني.. فنحن قددنا من صخر.. نحن رجال الصحراء.. لهيبها أنفاسنا.. ورياحها لغتنا.. وسفّ رمالها هو كل ما نملكه من ثبات.. أطفالنا لا يستطيعون الحلم.. ومراهقونا يسرقون السيارات ويغتصبون أطفال المقيمين وشبابنا يبصقون على العمال الآسيويين في المقاهي وينتشرون ذرات مطحونة بين البطالة والمادية ومهراس المدينة بعد أن لفظتهم سنين الطفولة دون أن تعلمهم الوقوف.. ينتظرون يوماً يتزوجون فيه و(يكبرون ويعقلون).. بدأتُ أسحب أنفاس الأرجيلة بعنف ودون توقف.. طائراً يخفق في عرض عاصفة بحرية.. دخان الأرجيلة غمام متشابك.. وأجهزة التلفاز حولي اصطخاب موج ورعود مزمجرة.. رذاذ البحر يصلني في محاولات ابتلاع شرسة.. رذاذ الجلسرين يتسرب إلى رئتي فأسعل.. أسعل.. وأجرع من قنينة الماء بجواري.. ابتلعتُ الرذاذ هذه المرة.. ولكن من يدري من يبتلع من في المرة القادمة..
هل اعتدتُ الأرجيلة بعد.. أم أني مازلتُ أحاول التخلص من عادة عدم تعودها.. ما هي العادة.. وما هي حقيقة الذات قبل طمرها بالعادات..
سحبتُ نفساً وسعلت .
أشعر بأني حشرة سحقها عملاق بحذائه.. الحشرة التصقت بالحذاء والعملاق يرفع طرف ثوبه ويخوض بحذائه في مياه متسربة من مجارير الصرف الصحي.. يعتريني غضبٌ عارم وغربة موغلة.. أرفع صوت المسجل عند الإشارة حتى أقصاه في حركة صبيانية للفت الأنظار.. تسجيل اعتراض ضد حشرات مسحوقة مثلي تماماً.. لا أدري إن كنتُ لافتاً للنظر أم لا.. لم أقِسْ ردود الأفعال في نظرات السيارات المحيطة.. أتطلع لضوء الإشارة الأحمر بحنق وكأن أمر الصوت لا يعنيني.. الزحام عند الإشارة يزيد من توتري.. في سرّي رفعتُ إصبعي بحركة بذيئة لكل المتوقفين.. صرختُ بقول الشابّي :
يا ربة الشِعر غنيني فقد ضجرتْ
نفسي من الناس أبناء الشياطينِ
تجرد المعنى من شاعريته وبدا كأنه صرخة زنجي ضد تمييز عنصري.. لم أستطعْ سماع الصرخة كانت السيارة ترتجّ وأنا لا أدري ماذا تقول وحين حاولتُ سماعها أدركتُ بأني لم أضع شريطاً في جهاز التسجيل وأن كل هذا الزعيق عند الإشارة كان لدعايات في الإذاعة..
السيارات تتقدم ببطء ثم تعاود التوقف.. استحال غضبي حزناً.. الإشارة تضيء حمراء للمرة الثالثة وأنا لمّا أتجاوزها بعد.. أطفئتُ الراديو وألقيتُ رأسي على مسند الرأس بإنهاك قائد خسر نصف جيشه على أبواب حصن لم يُفتح.. وحيداً في صحراء ممتدة بلا نهاية.. الملح في حلقي والغبار في عيني.. الريح تسفّ الرمال في كل الاتجاهات والصفرة القاحلة تنشب مخالبها في رأسي.. حافياً أغرس قدمي في الرمل المتّقد.. أسير دون وجهة.. وآثار دبيب الزواحف تدفنها الرياح.. الأفق يرقص كهواء ينبعث من فوهة مرجل بحيث تمتزج حدود السماء وحدود الأرض في رقصة عشق أزلي.. منبهات السيارات تزمجر خلفي وسيارة صغيرة تنحشر بوقاحة في الفرجة أمامي.. الإشارة تضيء حمراء من جديد.. كم تقتلني الرياض.. مدينة الصفيح الساخن المرهقة للأجهزة العصبية.. أتذكر حين تعرفتُ عليها لأول مرة طفلاً يحمل سذاجة القرية في جيوبه وتحت أظفاره.. كنتُ أدير رأسي خلف زجاج السيارة محاولاً قراءة كل اللافتات الدعائية وأسماء المحلات التجارية.. تمنيتها في سرّي.. كمراهق يغرم بمومس واقعها بثمن لمجرد أنها تجربته الأولى..
الآن تجبرني أقداري على الرياض بعد أن كرهتها وصرتُ لا أطيق البقاء فيها ولو لمناسبة اجتماعية.. هل علينا كره أمانينا كي تتحقق.. وهل ستبقى أمانٍ حين نكرهها.. هاهي الرياض تأتي بعد رحيل الطفل القروي.. الإشارة تضيء بالأخضر والسيارات تزمجر خلفي.. أتجاوز الإشارة غير مصدق..
- قل لي يالهامور
- سم
- وش صار على سهم المراعي
- بيرتفع.. بس فيه فرصة أحلى منه
- أمزح معك.. وانت انطلقت على طول تهلوس بالأسهم .. تدري اني مريح راسي وكل فلوسي بالصناديق
- عاد تصدق.. أستغفر الله العظيم بس والله اني أشوف المؤشر يطلع وينزل على ظهر اللي يصلي قدامي في المسجد
- اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا
- بلوى.. أو بلوي على قولة خويّ وطفة
- قال (كيدنا هدّ جبال.. وكيدهن هدّ رجال)
- معجبك هالبيت يا شوبنهور
- تركنا عداوة المرأة وسلمنا بالمصير
- من قال لك تتزوج
- شر لا بد منه
- الواقع يفرض نفسه عليك.. وأنت ترفض الاعتراف فيه
- الله يقطع ابليسك.. نسيتني وش كنت بقول لك من أول شيء
- سم
- وش العلاقة بين الشيشة وشيش طاووق
- حكاية طويلة
- سمّعني
- هذا طال عمرك رجال كان ما يحب يشيش إلا وفي فمه علك باطوق وكان ما يعرف يطبخ حتى بيض.. راحت زوجته لأهلها وجلس هو بالمطبخ يخربط باللحم حتى طلّع هالمشوي الجديد.. انتشر بين الناس وسمّوه شيشة باطوق.. وحُرِّفت التسمية مع طول الوقت
- تستهبل ؟
- مزحت معي.. ومزحت معك.. وحده بوحده
- تمزح.. بس انشر هالحكاية في منتدى وغلفها بطابع النصح ولن تعدم من يصفق لها ويتداولها
- قايل لك خلك من منتديات الأسهم وجاي
- طيب ليش كان لي الشيشة سابقاً عود قصب متصلب.. والحين أفعواني التموج
- لأن الإنسان كان يذهب للشيء في مكانه ويمد رأسه لعود القصب.. والآن كل شيء بما فيه ليّ الشيشة يجيه وهو جالس.. رمزية لهذا العصر الاستهلاكي وماديته الورقية
- طيب وش الأصل اللغوي لكلمة شيشة
- أنت تبي تألف رسالة عن الشيشة ؟
- رسالة ؟ الله لا يقول
- ليش ؟
- أكاديمية الشخص تعني نهايته مبدعاً
- غير صحيح
- والدليل إن ما فيه أكاديمي واحد مبدع إلا في الحط من الإبداع وتشويهه.. بل إن التاريخ يؤكد على الحرب الضروس بين الأكاديميين والإبداع.. علماء اللغة والشعراء مثلاً
- كل مبدع هو ناقد لأنه يعود لعمله بالجرح والتعديل.. قل بأن الأكاديميين لم يستطيعوا التخصص في الإبداع فتخصصوا في نقده
- هذا ما قلته
- ولكن أكاديمية الشخص تعني عدم وجود إبداع لديه من الأساس وليس قتل إبداعه الذي كان موجوداً
- المهم أن أكاديمية الشخص تنفي إبداعه
- وعدم أكاديمية الشخص لا تثبت إبداعه
- أنا شخصياً مبدع ولستُ أكاديمياً
- هذا اللي تبي توصل له من البداية يا مغرور
- أعذرك.. لأنك تجسد ثقافة مجتمع إما أن الشخص فيه يجرد نفسه من كل امتيازاتها الخاصة أو يتبجح بغرور
- تأتي لشخص وتذكر محاسنك عنده.. وش بيكون الوصف الأمثل له غير الغرور
- مجردة.. نعم غرور.. لكن ضمن خطاب موضوعي وبعلاقة واضحة بمحتوى الخطاب فالغض منها لمجرد ارتباطها بالأنا هو تواضع كاذب.. كما قال الدكتور غازي لمنتقدي كتابه (حياة في الإدارة)
- بس كتابه هذا كله حديث عن شخص الكاتب
- ليس عن شخصه.. بل عن شخصه في الإدارة.. الدكتور غازي قضى ما يعادل عمري أو عمرك في مناصب إدارية ووزارات وسفارات ومن حق التاريخ عليه أن يسجل هذه التجربة مع الفائدة المستخلصة منها
- عاد أمزح معك.. تدري اني أول من يشهد لك بالإبداع
- هذي اسمها بعلم الاجتماع ثقافة تقديم الأنا.. وتقييم مجتمعك فيها صفر
- هل تعتقد أن (شقة الحرية) هي السبب في اتهام الدكتور غازي بالعلمانية
- (شقة الحرية) رصد واقعي لشريحة معينة في زمان معين ومكان معين
- قصائده ؟
- قصائده فيها ما فيها من غزل اليومين دول.. ولكن ليس فيها أي دعوة إلى فكر علماني
- حلاقة شنبه ؟
- فيه نمر كل يوم يمسك القرد ويصفقه ويقول (ليه مش لابس الطربوش) راح القرد يشتكي للأسد قال الأسد للنمر (إذا بغيت تضرب أحد لاقي لك حجة مقنعة) قال النمر (كيف) قال الأسد (قل للقرد جب لي تفاح من فوق وإذا جاب لك تفاح أحمر صفقه وقل أبي تفاح أخضر وإذا جاب لك تفاح أخضر صفقه وقل أبي تفاح أحمر) راح النمر للقرد وقال (جب لي تفاح من فوق) قال القرد (أحمر؟ أو أخضر؟) قام النمر وصفقه وهو يقول (ليه مش لابس الطربوش)
- هههه هههه.. والله رهيبة.. هههه هههه
- مجتمعك ليس بحاجة إلى أدلة.. تكفي التهمة لكي تصدر الإدانة
- بس حلوة (ليه مش لابس الطربوش)
- وبعدين إن شاء الله يصير يهودي.. يكفيني إنه يخدم البلد بما لا يخدم فكره الخاص
- في هذي.. معك حق
- لو كان ظهور الدكتور غازي في الوقت الحاضر لما وصف بالعلمانية.. أنا قرأت المجموعة الكاملة له وأتحدى أحداً أن يثبت أن فيها دعوة إلى فكر علماني.. بل إن فيها كتاب جميل جداً اسمه (ثورة في السنة النبوية)
- السنة النبوية نعرف من أين نأخذها
- القصيبي لم يكتب كتابه هذا محققاً وإنما تحدث فيه عن مجموعة أحاديث من بعد مختلف
- أي بعد وأي قرب.. من أي زاوية لم يُسبق إليها سوف يقرأ القصيبي أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم
- اللهم صل عليه وسلم.. لن تستطيع فهم الكتاب ما لم تقرأه.. والحكمة ضالة المؤمن
- وهناك شيء اسمه كلمة حق أريد بها باطل
- هذي مقولة صحيحة في بعض الأحيان ولكن إطلاقها كقاعدة للتعاملات هو فرض لاستكناه النوايا وافتراض سوئها
- بل هي تقنين لمصادر التلقي
- تحلق لحيتك وتشارك في نقاش ديني ليس كمفتٍ بل من واقع ثقافتك الدينية فيصادر أحدهم حقك هذا
- وش دخل هذا بهذا ؟
- هو يطبق مقولة كلمة حق أريد بها باطل
- تطبيق خاطئ والمقولة لا تتحمل وزر فهمه
- قلت لك منذ البداية هذه المقول صحيحة ولكن إطلاقها يفتح المجال للأفهام الخاطئة.. البعض يتوصل بفهمه الخاطئ إلى سوء نيتك لمجرد أنك حليق أو تعسل ويعامل كل كلمة منك وإن صحّت على أن المعنى المراد بها باطل
- لو بنمنع كل ما قد يطبق خطأ لمنعنا الإنترنت والسيارات والهاتف وجوال الكاميرا
- تصدق ان كبار زملائي في العمل يطلبون مني مقاطع مخلّة.. ولمّا أحلفلهم إني أكبر من كذا وأعطيهم الجوال حتى يصدقون يقولون حاطها في مجلد مخفي
- هههه هههه.. ما دروا إنك درويش بجد
- ما سمعت المثل اللي يقول (عط الخبل على قد عقله ولو أكل نصفه) ؟
- والخباز وش تعطيه ؟
- النصف الثاني.. واطلع منها
ابتسما معاً وهما يدخنان الشيشة
