You are currently browsing the category archive for the 'خواطر ورسائل' category.

أستأجر بكأسٍ وطناً .. وأجد غربتي تحمل حقائبها في المحطة .. أمد لساني للجدب .. وأزوّر كل أوراقي الرسمية .. كنتُ برغوثاً يحاول القفز لاختراق سقف الخيمة .. أنا الآن كوكب تنبذه كل المجرات

الكأس الثاني .. وزوبعة الغبار في المحطة توحي بأن حزناً ما كان هنا .. الدموع تبتدئ من المحطة وتستمر على طول الطريق كدماء جريح هارب

الكأس الثالث .. المتسول المسن يصرخ بنظرتي الآسفة : في الفضاء ينعدم الوزن

الكأس الرابع .. وساعي البريد يقول كانت تحتضر

الكأس الخامس .. البطن العاري يمضغ علكته ببطء وينظر إليّ

الكأس السادس .. يصعب رؤية ما أكتب .. يصعب كتابة ما أرى

الكأس السابع .. وحنيني إلى تلك المُرَحّلة ينبثق .. الأشياء رهينة أضدادها

الكأس الثامن .. لو كان وطني كأساً لأترع دما .. وطني غانية يتقاسمون جسدها ولا يمنحونها لحظة كبرياء

الكأس التاسع .. أدرك صوتها دون أن أسمعه : أنا وحدي من يستطيع احتواءك .. لا لحرق الخيام

الكأس العاشر .. الغربة تلقي حقائبها على المدخل وتقبّل عنقي

وليس ثمة فِراش .. ليس ثمة فِراش

من الخط الفاصل بين التلاشي والانعدام أسرق قلمي الآن لأغمسه ببقية ذات.. سافرتُ ملايين الأوطان لأستبدل المنفى بغربة.. حين يعرو صفحة اليأس حجر محاولة يصبح النصر هو الخروج بخسارة أقل.. وبعد الاغتراب حد التوحش أدرك أن كل ما استطعت إحداثه هو دوائر منفلشة تلاشت بمرور الوقت..
الأحلام مطمورة بالخيبات.. والأيام تغير لون الجراح دون أن تشفيها.. أحمر.. أزرق.. أخضر.. أسود.. ألوان لجراح مفتوحة حتى مع وقف النزف ومحاولات الوقوف.. والذاكرة بلّور مهشم ملون بالجراحات المفتوحة.. وهذه الطاولة الصليب أجلس إليها كل ظهيرة فارشاً صور الجراح الملونة.. يجالسني القدر ونلعب وندخن ونضحك حتى المساء.. دائماً كان يهزمني.. ودائماً تغيب الشمس بصورة ملونة جديدة.. كنت أغسل وجهي بماء الكبرياء المقدس وألبي دعوته للرقص.. ما بعد المغيب هو احتفالية خاصة بميلاد ثلم آخر في الذاكرة.. رقص على فوهة جرح مفتوح لا ينبئ بالثوران بعد ما اغتالت فرق الإعدام الخاصة كل ثورية يمكن أن تعتري بدوياً قد يحاول دون أن يجيد إصلاح بلّور مكسور..
وعلى مفصل إعياء وسقوط وقفت دائماً بنبض ضعيف محاولاً استدراج أي كوّة للحصول على بعض القدرة..

رياح ملغومة تترصد أصنامي.. بعض أصنامي وقع والآخر رفع ذيل ردائه وانطلق إلى أضواء بغير لون الجرح.. وبقيت أنا.. تلفحني الوحدة.. حرام عليّ الوقوع.. وحرام علي اللحاق بالأضواء.. حالة انكسار متشنجة بنية الوقوف..

ارتكاب اليأس ذات سقوط جزئي ليس خيانة للصنم المكسور دون وقوع بل محاولة لدرء انهيار على وشك أن يقع حال استمرار التوحد.. ثقاب الأمل الغير مستعملة هي لعبة طفل متنحي في حال أراد بكاءً يحرم عليه..
غريباً على بعد ملايين الأوطان من المنفى.. تجلس إليّ قطة عربية.. قطة عربية دون استعارة أو رمزية.. تغفو بأمان عند قدمي وأنا أدخن بتوتر متوجساً عيوناً في الظلام..
أحمل جواز سفر وبطاقة أحوال مدنية ورخصة قيادة وبطاقة عمل.. يسألني الضابط: أين هويتك.. أرفع كتفي ولا أجيب.. يحولني للتفتيش الشخصي فيجدون في ثيابي قطة عربية مستعارة.. كانت تأكل لحمي وكنت سعيداً بمجرد أنها آمنة في ثيابي.. يجردونني منها.. الضابط يقلب رخصة القيادة ويسأل ساخراً: ومن يملك القيادة.. أجيبه: اعتزلت الأسئلة الكبيرة.. الضابط بحنق: كم تهوون دهس القطط.. أصمت مبتسماً.. لا فائدة من القول بأني بلا وطن.. سيارة رياضية مسرعة تقول: القطط حيوانات آكلة لحوم..
أخرج تاركاً ما أعرف وما لا أعرف.. أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. ستعود آمالي المدحورة رياضاً وأنهاراً كما كانت.. أضحك بعمق لهذه الشطحة.. هاهو ذا الطفل المتوحد يعبث بعود ثقاب.. (دخيل عيونك أنا.. مابدّي أوئع).. أكنس الشظايا المتناثرة وأخبئها تحت السجادة.. لم يحن الوقت للانكسار التالي.. ورغبة الطفل في البكاء تتضخم..
أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. هنا كنت أقف مكتنزاً بالنبوءات.. ثورياً كعنقود مشتعل.. لم أتدلّ.. مشرئباً يريد بلوغ أسباب السماء.. الشهقة الأولى امتدت ما بين نداء الجاذبية والنجم المرقوب.. ببنادق الصيادين اقتصرت الشهقات التالية على لحظة ولوج الرصاصة إلى ميادين اللحم.. يباساً معلقاً بقيت عوداً يرفض الاعتراف ولا ينكر الحقيقة.. يرفض الوقوع ويقدم أحلامه قربان تشبث على أمل ربيع قادم .

عزيزتي ..اقترب فجر يوم آخر من العمل وأنا لمّا أنم بعد.. أرغب في كتابة أشياء كثيرة إليكِ مع أن أوراقكِ لم تصل وأنا لم أعرف إشكاليات آرائكِ حتى الآن.. ولكن ما عرفته البارحة آلمني فلم أجد بداً من الكتابة الاستباقية.. وأعدكِ في هذه الرسالة أن أنثال دون ترتيب بحيث أكتب أكبر قدر من اختلاجاتي..
ولا تتوقعي أن أرتدي جبة الحرمين وعمامة الأزهر وأجيئك واعظاً ولكنني أحط رحال أوراقي لديكِ شاعراً فيلسوفاً محباً للورود وللأطفال وللطبيعة ولله..

إن الله هو قيمة جمالية يكافأ المؤمنون بها عند رؤيته يوم القيامة.. وغيبيته هي فلسفة حضوره الدائم.. تطلعي إلى الشجرة المزهرة وتذكري كيف كانت شجيرة صغيرة تلعب بها الرياح حتى بسقت بروح الله إلى السماء.. ككل الأحلام.. تطلعي إلى الأطفال واستيقظي قبل شروق الشمس لتلمحي الوجود في أعذب روحانياته..
اشتهر بلدكِ بالجمال.. وأنت صبية جميلة ذات نفس مرهفة.. فعوّدي نفسك على تذوق الجمال وتجاهلي ما سواه.. إن في كل صورة جانباً أسود لم يستطع بياض الفلاش أن ينسكب عليه وما يلزمك فقط هو التركيز على الجانب المشرق من الصورة..

جمال الذات ليس انعكاساً لجمال الأشياء.. بل جمال الأشياء هو انعكاس جمال الذات..

لا تستصغري أحزانكِ ولا تقللي من شأنها ولكن لا تبالغي فيها وتجعليها نهاية كل شيء.. وتذكري أن الحياة ستستمر في كل الأحوال ولكن محاولات الانسحاب منها هي عجز فاضح لعدم القدرة على تذوق الجمال فيها..
لا تتجاهلي أحزانكِ ولا تكذبي على نفسكِ بادعاء سعادة غير موجودة لكن عليك أن تعترفي بأحزانكِ أولاً ثم تأخذي بيد نفسكِ نحو الأفضل.. ولا تستعجلي النتائج فالتمرحل عملية قسرية غير اختيارية.. وفي إطار تحقيق الأفضل علينا انتظاره حتى يحين..

فكري.. هل توجد فرحة خالدة ؟؟.. بالتأكيد لا.. فلم إذن تعتقدين أن الحزن خالد ولن تعقبه سعادة..
ثم فكري.. كيف نستطيع تمييز السعادة إن لم نعرف الحزن.. فكري عميقاً

إن معاني كل الأشياء مرهونة بأضدادها..

لم تقل الحياة بأنها عرس مستمر وطبول لا تتوقف ورقص لا يتعب.. وهي ليست مسؤولة عن الفهم المغلوط لها..
في الحياة أحزان كثيرة.. ومن يكتفي بأحزانها ويتوقف عندها فهو يختزل الجانب السلبي ويترك الإيجابيات.. الحياة ككل شيء لها جوانب سلبية وأخرى إيجابية.. ومعالم الشيء تتغير بتغير جهة الرؤية.. حتى القمر نصفه مظلم على الدوام ونصفه الآخر ساطع باستمرار.. نحن بتغير زاوية الرؤية نراه أحياناً بدراً أو محاقاً أو هلالاً.. وأحياناً يختلط علينا سواده بسواد الليل فلا نستطيع تمييزه.. القمر هو نفسه في كل الأحوال.. الإنسان هو من يختار في أي ليلة سيرفع رأسه لرؤية القمر..
اليقين بأن نصف القمر مظلم يعطي الشعور بجمال نصفه الآخر..
التركيز على نصف القمر المضيء يكثف الشعور بالجمال ويزيد من لحظات السعادة..
ألم أقل لكِ إن معاني كل الأشياء مرهونة بأضدادها..

أفلم يحن الوقت لكي تغيري زاوية رؤيتك للقمر وللحياة ولله ولنفسكِ..

الأحلام جميلة ولكنها متبدلة باستمرار.. ولو تحققت كل الأحلام لكان ذلك نهاية للحياة.. تخيلي معي.. ما قيمة حياة إنسان تحققت كل أحلامه.. وما قيمة الحلم إذا لم يكن فيه مغالبة وجهد وحزن ثم لحظة الكشف والتجلي لحلم تحقق..

أحلامي طفلاً لا تهمني الآن.. بعضها تحقق والآخر استعصى.. ولكنها كلها لا تهمني الآن.. أحلامي الآن هي مغزى وجودي ولكن آرائي فيها ستكون قد تغيرت بعد انقضاء الشباب.. هذا لا يعني أن أتوقف عن الحلم فما قيمة حياتي إذن.. ولكن
الأحلام يجب أن تكون أداة بناء لا معول هدم للحياة..

على الإنسان أن يرتب أحلامه ويسعى لتحقيقها.. يفرح بما تحقق منها ويطمح لتحقيق البقية..
استمرارية تبدل الأحلام واختلاف ترتيبها وتلاشي بعضها وانبثاق أخرى هو دليل على أن الأحلام وسيلة وليست غاية.. وسيلة لغاية هي جعل الحياة أفضل وأنضر وأكثر سعادة..
لا يوجد حلم واحد يستحق أن نبذل له حياة كاملة..

وجود الله في الحياة ضروري ليس فقط لتأمين الدار الآخرة بل هو ضروري من حيث كونه قيمة روحانية مطلقة تمد بالمواساة اللازمة لتجاوز الجانب المعتم من الصورة إلى الجانب المورق فيها..
من يؤمن أن الله معه يستهين أي صعوبة أو خسارة..
استحضار الله كملهم أشبه بمحطة وقود لا تنضب لدفع الأحلام إلى الأمام..

بعد عمر نكتشف زوال الأحلام إما بتحققها أو اندثارها وبقاء الله قيمة جمالية متجددة ومؤثراً ظاهراً وخفياً.. مباشراً وغير مباشر في سعادتنا..
لقد وعدتكِ أن لا أكون في هذه الرسالة واعظاً ولكن هل كنتِ تصلين صلاة الفجر وتستشعرين مضامينها.. هل خرجتِ إلى الشارع بعدها وتنفستِ عميقاً وشعرتِ أن الله قريب حد وجوده فينا..
الروحانية شيء غير محسوس ولكنها كالطعام والشراب في أهميتها للبقاء على قيد الحياة..

الخيبة حال عدم تحقق الحلم هي الشعور السلبي..
العمل على إعادة الحلم في انتظار تحققه هو ما يعكس حياة النفس..

الخيبة قد تكون مبررة عند تقادم العمر وصفرية الأحلام..
سن الشباب هو تأجج الأحلام وفورانها..

الخيبة قد تكون مبررة لكهل يتيم الأحلام.. ولكن ما الذي يبرر الخيبة والعزوف عن الحياة لكِ أيتها الصبية الجميلة..

فكري .. أرجوك أن تفكري.. عدا جمالكِ وشبابكِ أنت تملكين أسرة رائعة تحبكِ بكل ما تملك.. ويلتف حولكِ رفاق يرون فيكِ امتداداً لوجودهم وما يبعث فيكِ على الحب والاحترام.. لديكِ موهبة أدبية نادرة بين الجنس الناعم تنتظر الوقت فقط لكي تصبح مَعِيناً للعشاق.. وتعيشين في قرية بالغة البساطة والجمال..
ألا تستحق كل هذه الأشياء الباعثة على السعادة أن تستوطن نفسكِ فتنفض بعض قلقكِ وتشاؤمكِ..

لقد حان الوقت لتستثيري الحياة المخبوءة في نفسكِ وتقطفي كل فرحة يانعة وتدوسي على كل شعور سوداوي يحاول تسلق رأسكِ..

أرفق مع رسالتي كتاباً قد يساعدكِ على النهوض بعزيمة جديدة وروح جديدة .. أرجو أن يفي بالغرض.. مع تمنياتي الصادقة لك بالشفاء العاجل واستقبال حياة سعيدة..

تقبلي تحياتي
ولكِ مني خالص الود والاحترام

(أنا عند حسن ظن عبدي بي)………………………….الله عز وجل

(تفاءلوا بالخير تجدوه)……………………محمد صلى الله عليه وسلم

(أسأل الله أن يرزقني إيماناً كإيمان العجائز)…………عمر بن الخطاب

{إني لا أحب الآفلين}…………………………..إبراهيم عليه السلام

(الإنسان حيوان ميتافيزيقي)……………………………….شو بنهور
أي حيوان عضوياً ولكنه محتاج إلى القيم الروحانية لكي تستقيم حياته

(لو لم يكن الله موجوداً.. لوجب إيجاده)…………مقولة لا أتذكر قائلها

المساء صيفي مقمر.. والأطفال يلهون ببراءة.. والزروع المنتشرة تشيع الأنس في المكان.. وهما يمشيان معاً..
فقالت ضاحكة :
- أفلت يدي.. لن أضيع..
رد بسرعة :
- ولكني أنا سأضيع..

صمتت مدهوشة.. ثم سألت :
- ما سرّ تشبثك بيدي..؟؟
توقف دون أن يفلت يدها وتوجه بنظره إلى عينيها مباشرة وقال :
- أولاتدركين حتى الآن..؟؟
أنا لاجئ سياسي من ضيق العالم إلى رحابة كفك.. أنا هارب من مجاعات الشوق ومذابح القلوب إلى ديمقراطية كفك.. لا كوكب في كل المجرات يعترف بمنظمات حقوق الإحساس إلا كفك.. لسليمان كنزه ولي يدكِ.. فدعيني أعتلي منصة التاريخ وأوصف بأغنى العالمين..
إني أخاف إن أفلتّ يدكِ أن أشنق بتهمة الحب..

تلفتت محرجة وسحبته من يده بصمت وواصلا مشيهما..
وصلا إلى بحيرة صغيرة فجلسا إلى طاولة يتوسطها إناء زجاجي يحمل وردة حمراء فسحبت يدها وأمسكت بالوردة متأملة فيها.. ارتسمت على فيه ابتسامة خفيفة لا تخفى على الأنثى فسألته بنظرة دون أن تنطق.. استراح في مقعده وقال :
- لا شئ.. تصورت فقط أن الورود العاشقة تتهادى لمستكِ..

أعادت نظرهاإلى الوردة فقال:
- داخت الوردة من عينيكِ رفقاً بالورود..

ضحكت وأعادت ظهرها إلى الكرسي ثم أدرات رأسها إلى الجموع الصاخبة دون أن تفلت الوردة.. فسكت قليلاً وقال :
- أتمنى لو كنتُ وعاء ورد.. لو كنتُ علبة ماكياج.. ريموت تلفاز.. ملعقة.. أو حتى كتاب فتاوى النساء.. على أن لا تفارقني يدكِ..

أعادت يدها إلى يده وضغطت على أصابعه برفق فسرت في عروقه رغبة الحياة وألقى رصانته وديوانه وشماغه وانطلق في واحات يدها وأنهارها وشطآنها.. استحال إلى حمامة.. ثم إلى فراشة.. ثم إلى غيمة.. ثم ذاب من الوجد وتلاشى في فضاءات كفها..

* ……… * ………. *

انقضى المساء.. وفارق يدها مرغماً……………. وضاع

وغداً.. وجَدَته مشنوقاً بتهمة الحب….

لا تأخذيني على أني أكثر من طفل.. حمميني بالدمى.. وافرشي لي حكايا الحيوانات.. ثم هدهديني حتى أنام.. ولكن لا يتركني ضوئك.. فإني أخاف الظلمة..خذيني يوم الجمعة إلى مدينة الملاهي.. حيث لا تتار يقتلونني.. ولا حشاشين يغتالونني.. ولا طلاب أتقمص أمامهم دور لقمان..
ماما أريد فشاراً

تعبت..
تعبت..
تعبت..
فلا تغيري space toon..
لا أريد لعقلي أن يتجاوز أحجية (كونان) ولا لبسمتي أن تقصر عن (الضاحكون)..

ما أصعب حروب الردة.. منذ أن قتلوا عثمان

(هادي بادي.. من ينادي).. والصدى في الذاكرة يكاد يتشكل..
(جرس الإغلاق).. ثمة حجرٌ ألقي في البحيرة..

غول أسود برأسين.. عين واحدة لكل رأس.. وأنيابه تقطر دماً.. هاهو تحت السرير.. تستطيعين رؤيته.. أرجوكِ.. خذيني للسوق أو للحرم أو لأي مكان.. وأعدكِ بأني لن أترك يدكِ أبداً.. فقط لا تتركيني

الأسوار الطويلة تحجب صرختي.. العيون اللامعة في الظلمة تتربصني.. والمِدى متشنجة.. إني أختنق.. عفن الجثث يتنفسني.. والحزن يلفني عباءة أعرابي لا يعرف الكذب.. حين صادروا معنى الحياة تخلى معنى الموت عن شرفه.. كانوا يبترون عروقي كي لا أستشهد.. ومدارات الضوء تستحيل طابات زجاجية بداخلها موشور بجانب أسود وجانب أبيض.. أداروا الطابة الزجاجية إلى الزاوية السوداء ثم سحقوها.. الأشلاء المتطايرة توغل في مساحات اللحم.. ونهرا ذعر يتسربان عبر مقلتي.. كنت أرنو للنجوم حين استشعرتُ يديَّ تبحثان بين الجثث عن عينيّ.. عارياً كنت أجري ومحاكم التفتيش تعدو خلفي.. وإذ تعثرتُ بجثة.. نهشت كلابهم رأسي…

هيه.. لِمَ لم تهدهديني حتى أنام..?

أسائل نفسي..
هل أنا معرض للهيام وحشد السهر بطيوف ملائكية..؟؟
هل أنا عارِ في وجه الرياح الحمراء..؟؟
هل أنا قابل للحب..؟؟ فأنا متردد ومضطرب وتائه بلا هوية..

أسائل نفسي ملحّاً في السؤال بينا وجهك يطفو كالغريق ثم يختفي في زحام القضايا المعلقة..

هل ستكونين قضية أخرى معلقة..؟؟
هل ستكونين إشكالية جديدة..؟؟
أسائل نفسي ملحّا في السؤال فيعروني الحب كانتحاري.. ويرجع عن شواطئي كأنظف ما يكون..

ولكن الطحالب ما زالت عالقة في الصخور..

فلا تحاكميني كل جفاء.. إن قراراتي لا تنتهي.. ولا يقف حزنك حاجباً دون حب شغلته المعارك عن اصطحاب وردة.. فأتى متمنطقاً رفضه..

حاولي أرجوكِ استبطاني..
حاولي أرجوكِ استبطاني..

فأنا مشوش الحواس مرتبك المشاعر.. أحتاج إلى من يأخذ بيدي إلى شرفة أرى من خلالها الألوان والأزهار والغمام الأبيض كمهد وليد.. أحتاج إلى من يتجاوز لا منطقيتي ويغفر تشاؤمي ويحضن فيّ طفلاً تخلى عنه صحبه..

تقبليني حين أؤوب مسربلاً بالوعثاء واغفري هروبي وانطوائي ذات محاولة للتفلسف..
خذيني دون أسئلة حين أقف على بابك مطارداً بالأشباح واللعنات..
مدي إلي ضفائرك وانتشليني حين تطمرني الطرقات المفخخة بالهواجس..

إني أحبكِ على طريقتي..أحبك بغوغائيتي..بصمتي..بخوفي..وبشرودي اللامنتهي..
جل ما أتمناه قليلاً من الصبر..

وكثيراً من الأنوثة..
اعذري فيّ مزاجية الشاعر وحيرة الفيلسوف..
أدرك تماماً أن ما عرفته هو سبب تلاطم شخصيتي ولكني لو استطعت الاستقرار بنسيان كل ما علمته لما فعلت.. ليقيني بأني سأنتهي إلى شئ بينما كل ما حولي ومن حولي سيصبح يوماً عدماً.. إنه اختيار له مشاقه.. أن أشقى محاولاً وصولاً فيما البقية يسعدون في قعر.. كل ما آمله أن أدرك سماءً قبل أن تدفن العقارب ضوئي…اعذري فيّ مزاجية الشاعر وحيرة الفيلسوف..
أدرك تماماً كم أنا مزعج ومتعِب ومتقلب.. ولولا صدق حبك لما استطاع صموداً.. ولكن هذا بعض ما أعاني.. يصعب جداً تكبيل مشاعري ودوزنة ألفاظي فيما أولوياتي تتقافز.. وحبي الرقيق يتوه في زحمتها حيناً ويصرخ حيناً بألم فيعلوها كلها…

اعذري فيّ مزاجية الشاعر وحيرة الفيلسوف..
فأنا لا أملك من أمري شيئاً.. حاولت أن لا أحلّق مع أنغام فيروز فتنازعني عمر المختار ونجيب محفوظ.. حاولت المصالحة مع المجتمع ولكنه لم يرضَ إلا بسلبي ذاتي.. ولولا بعضي المتوزع في عدة أجساد لأقلعَتْ بي مباشرةً فكرة الهجرة إلى أستراليا…

اعذري فيّ مزاجية الشاعر وحيرة الفيلسوف..
استقبلي معي كل المتغيرات وشاركيني محاولات الفهم.. كوني معي أياً أسير.. فأنا مصاب بحزن مزمن وغربة أزلية وشتاتٍ يهودي.. أنا طفلٌ أوسط وجد نفسه في الفضاء لم يرصع سماءً ولم يهبط لأرض فبكى بحرقة واحترف العناد.. ومنذ ذلك الحين لم يكبر.. أنا مصاب بلوثة عقلية.. وصراع الحضارات الذي يخشاه العالم لم يهدأ في داخلي للحظة.. أنا لم أفهم بعد.. ولستُ ممن يرضون جهلاً.. فساعديني.. ساعديني واحشري خفقة بين حيرتي ورفضي.. فأنا لا أستطيع عما أنا فيه تنازلاً.. وأريد الاتكاء على حب.. ربما أستطيع أن أحلم دون أن أقع…

مساء الخير أيتها الومضة الآفلة.. أيتها النبوءة التي كادت أن تتحقق.. أيتها الشرارة التي أحرقت الغابات والسهول والبيادر ثم انطفأت في خفوت..

أين اختفيتِ سيدتي ؟ .. وهل كان الأمر لديكِ بسهولة الإقلاع عنه في أي لحظة ؟ .. كتبتِ لي في آخر مرة (أجعلك البحر) فهل توقفتِ عن الإبحار على وقع أشواق النوارس وملامسة الزبد الأبيض للموج العابث ؟ …

مازلتُ على رصيف المحطة.. أحمل حقائب صدقي.. ومعطفي الجلدي.. وجريدة ذكريات مطوية.. هل كنتِ بشارة ؟ .. أم فلاش خاطف ؟ .. أم ليلة قدر لا يدوم بهاؤها أكثر من صلاة الفجر ؟ …

مازلتُ على رصيف المحطة.. أحمل تذكرة انتظار.. وأرسل حمائم الشوق الزاجل.. وأطالع ساعتي.. هل ستعود ؟ .. أدندن في محاولة لإضاعة الوقت حتى يضيع صبري وأنا لا أسمع إلا صفير ولعي.. ودخان سجائري.. على قضبان اللهفة في مسار يبدو بلا نهاية..

عزيزتي..لا تلوميني إذا ما وقفت مشدوهاً أمام عينيكِ.. فأنا لم أعرف روحاً تخللتني كغمامة بيضاء وملأت رئتيّ عِطراً وخافقي شهداً وفمي شِعراً..

روحكِ البيضاء سِحرٌ شرقي تملك كياني وكل ما أستطيعه من تفكير.. وجنوني لعنة فرعونية بَلِيَت حين بايعتُ عينيك ملهمةً مدى الدهر..

روحكِ فجرٌ يقطر ندى.. وبستان وردٍ تغنيه العصافير..
روحكِ أكثر الطيور بياضاً وأشداهنّ تغريدا..
روحكِ كنزٌ منسيٌ منذ عصور القرصنة..
روحكِ جنةٌ دخلتها.. وأهل الجنة لا يريدون منها خروجا..
فدعيني أقيم في قلبكِ.. إنه وطني الوحيد..
ولا تستكثري غرامي..
ولا تخجلي من تحديقي..
فإني بكِ مفتونٌ حتى النخاع.. وعاشقٌ حتى الجنون..
ولو عرفتُ هذه الروح ولم أحلق بها نحو السماء السابعة للحب.. لغضب كيوبيد وحكم على مشاعري بالصدأ المؤبد..

حين تحضن راحتي كفكِ الصغيرة أسمع ضحك الأطفال يشوب رحيق الزهر تحت المطر..
وحين تنسحب يدكِ من يدي.. ينتحب فيّ شريدٌ وينعق بومٌ وتغدو السنة كبيسة..

معكِ تعلمتُ الموسيقى فتجاوزت بيتهوفن وموزارت.. وصارت شغاف قلبي أبلغ من أوتار الفارابي وإسحاق الموصلي.. أرقص طرباً لأنغام حديثكِ.. وأبحر مع الشجن في عينيكِ..

أنا الآن نزارقباني.. ومايكل أنجلو.. وملايينٌ من عذرة..
أنا الآن شاعركِ.. وفنانكِ.. ومحبكِ المستهام..

أفكر.. ماذا لو خلى العمر منكِ.. وكم دهرٍ سيمر علىّ فيه..
لقد كحلت زماني.. ونسقت ورود أيامي.. فلم أفتقد أحداً وأنت معي.. وصار حنيني للآخرين نبض وفاء يخرسه صهيل سعادتي بلقاءكِ..

أنتِ القوافي والمشاعر والنجوم والأزاهر..
وأنا محبكِ..
أنا محبكِ..
أنا أحبكِ..