You are currently browsing the daily archive for أكتوبر 7, 2011.

هذا الصباح .. جيء لي بطالبين تشاجرا .. وبالقسوة التي اعتدت عليها أثناء عملي في المتوسطة والثانوية قاطعتُ محاولاتهما للشرح وصرختُ فيهما بالوقوف عند باب الإدارة , وبعد دقائق استدعيتهما وأنا أحمل العصا بين يدي , قرّعتهما بشدة وبصوت عالٍ وأنا ألمح إلى الطرد من المدرسة أو استدعاء ولي الأمر , وحين سألت عن السبب اتضح أن أحدهما داس على يد الآخر بالخطأ أثناء لعبة يلعبانها , كان هذا هو توضيح المتضرر , أما الآخر فقال بانكسار : استاد .. يلعن ابوي وابوي بالمستشفى , ونزّت من عينيه قطرات مائية أمسكها كبرياء طفل يحاول أن يغدو رجلاً فلم تنحدر . وللحظة .. نسيت كل شيء وتعلقت بهذا الشعور الطافح من عينيه الواسعتين . ليس ثمة في الدنيا ما يعادل محبة طفل لوالده تعظيماً وبراءة , هذا الطفل الذي ربما لا يدرك حتى الآن كيف جاء إلى الدنيا .. ربما يصدق ما أخبروه أنه جيء به من المستشفى ولا شيء آخر , هذه المحبة الفطرية التي يفيض بها قلب صادق لم يتعلم بعد ما الكراهية ولا يعرف حتى يومه أكاذيب الكبار وأحقادهم وابتسامات مجاملاتهم الصفراء , هذا القلب العصفور الذي ينفض قطرات الماء عن ريشه ويفرد جناحيه للنسائم وقوس قزح وللدنيا بأسرها يرى في والده جميع الأنبياء وسلاطين العصور ونهاية الحكمة وربما أقوى رجل في الدنيا حتى إذا تحدث عنه لبقية الصبية هتف بطرب (أبي فعل كذا) ويفخم النبرة دائراً بنظره في الوجوه مستقرئاً أثر حديثه . أما حين دخل والده في غيبوبة لا يُعرف آخرها إثر انقلاب سيارته الجيب فإن الطفل شعر أنه فقد ريشه كله وأصبح عارياً في وجه الرياح السوداء . وإذا كان اهتزاز صورتي الآن في عينيه بفعل دمعتين لم تنزلا فإن غيبوبة والده هزت صورة العالم بأسره في مخيلته الربيعية وكان مهما انحدرت دموعه فإن الصورة تبقى مهزوزة . هذا الطفل الذي اعتذر لزميله حين تعثر وتقبل ركلته الثأرية لم يستطع أن يتقبل شتيمة والده الأنبياء السلاطين اللقمان أقوى رجل في الدنيا فانهال على الآخر ضرباً وشتماً وهو لا يتذكر إلا أن أباه يرقد بين الحياة والموت , اعترته انتحارية لا شعورية إذ لا وقت لرتق الريش وعليه أن يقاوم وحيداً هذه الرياح , وحين حوصر وهُدّد دفع بمسبباته بصوت واهن وهو لا يتصور فهماً (يلعن ابوي وابوي بالمستشفى) .. العن من تشاء إلا والدي , ليس لأنه والدي بل لأنه والدي في المستشفى , لأنه حمايتي المطلقة التي انكشفت فجأة , لأنه هرقل الموصول بالأنابيب تقلبه الممرضات من جهة إلى أخرى لا يدري بمن يزوره لا يحضنهم ولا يرد التحايا وانكسرت في قلب الطفل مرآة سحرية كانت تطل على بلاد ملونة كل مبانيها مدن ألعاب وخيام سيرك وأكواخ من الحلوى وتبدّى الجدار خلفها قاتماً أصمّا . لو أن الدمعتين كانتا من قبل لظننتُ أنهما بقايا الشجار لكن العصفور الذي حاول تزييف الريش فشل وخرجت دمعتاه مع آخر حرف من جملة (وابوي بالمستشفى) , وأنا ..؟ أفقدتُ غضبتي وملامح الصرامة لأني أبٌ حديث أم لأني كنت ومازلتُ إنسانا ؟ , للحظة .. شعرتُ بارتجافة شفتي وشكرتُ للكبار نعمة البكاء الداخلي وتبديل الأقنعة . كنتُ قد غفرتُ لهما مباشرة ولكني لم أسمح لهما بالذهاب إلا بعد انتزاع الوعود والكثير من التهديد والتأنيب وإن جاء بنبرة أبوية حنونة .. بقيتُ واجماً لدقائق وأنا أكتشف صعوبة العمل الذي تصورته سهلاً , العمل الذي يعيدك في عيني طفل لمشاعر تعودنا أن تأخذنا أعمالنا بعيداً عنها , استحضرت عينيه وعبارته .. وارتعشت شفتي .

اعتزلت كل شيء .. سأغني فقط

من يكتب التاريخ ؟!

أكتوبر 2011
السبت الأحد الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة
« مارس    
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.