المقاهي الغارقة في الضجر والأغاني العراقية وصراخ المراهقين لطالما احتضنت حزني .. لطالما منحتني الشِعر والكتابات الانثيالية .. في أبخرة معسلها تبخرت وتشتت وتلاشيت وعدت منهكاً كل مساء يستطيع النوم ..

علاقتي بهذا الأثاث المتسخ والصراخ بطلب الجمر اقتصرت على المساءات التي أشعر فيها بالوحدة والغربة والتوحش .. ويا لكثرتها في حياتي ..

رحلت حبيبتي .. تركتني مع مكانها الخالي في السرير وزجاجة عطرها بقرب المرآة .. وتريد مني أن أنام دون أن أدخن غيابها .. دون أن أسعل بفقدها .. رحلت حبيبتي ويحق لأحزاني أن تتخثر ببعض النيكوتين حتى يخف خفق الأشباح فوق رأسي ..

لو تعلم تلك الغائبة بأهرامات الحنين المكدسة في أضلعي .. لو تدري بقرب الحيطان من صدغيّ .. لحقنت أرجيلة في وريدي وقالت : مت سعيداً على الأقل حين لم تعش سعيداً ..

============================================================================

هذا التضاغط والتخلخل المتتالي في حياتي مرهق حد الموت اختناقاً وانزكاماً في آن واحد .. حشر الأيام الطوال في سويعات قليلة يبدو حلاً ثانياً ولكنه بعد التجربة غدا أزمة أخرى وعقدة أخرى في تلافيف دماغي المثخن .. هل كان يمكن أن أقف قبل هذه المحطة ؟ .. كل المدن كانت موصدة وأنا كنت بحاجة إلى بطاقة هوية فرجال الجمارك لا يعترفون بشيشتي .. الواقع أني مازلت بحاجة إلى بطاقة هوية ..
على كشك الأحلام أخرجت يدي من جيبي ودفعت كل ما تبقى من مرتبي .. وحين لم يكف المبلغ اتفقنا أن آجره ثماني حجج فإن أتممتها عشراً فمن عندي .. وابتعت احتمال .. قلت مازحاً: (ربما تأتي مكرمة ملكية بتكرار الحج أكثر من مرة في العام الواحد) فضحكت النجوم في السماء .. كان الكون قد بدأ يغدو أكثر جمالاً .. وكنت أغدو أكثر اغتراباً .. وعثاء السفر في فؤادي لم تُمسح بعد .. الغبار مازال يغطي جبيني .. وشَعري هو هو الغير مسرح .. تصورت أن جبيني بالسجود سيغدو أقل تعاريجاً ولكنه….. الغبار ..لعنة الله على الغبار ..
ومثلي ولد بملامح لا أستطيع معها تزوير بطاقة هوية .. بعض المدن أغلقت أبوابها وأنا خائف وأريد أن أنام .. رويداً رويداً يثقل النبض وتقل حرارته والنجوم لم تعد تضحك .. حتى إني توقفت عن المزاح ..
الأجساد التي دفنتها كي أبني مدينة بدأت تظهر رؤوسها وكأنها بذور ينبتها القحط .. صراخ الرؤوس النابتة لم يعد يثير حزني ولكني بحاجة إلى النوم ..
تضاغط .. تخلخل .. تضاغط .. تخلخل .. تضا……………..

==========================================================================================

وهذه المقاهي
دائمة الضجر ..
تستل من ذاكرتي عود ثقاب ..
وتضرم الكآبة الشوهاء في مشاعري

وهذه المقاهي
في ساعة السحر
وادعة ُ أنفاسها كهدأة المحراب ..
وترسم القلوب والأبيات فوق دفتري

وهذه المقاهي
صناعة الخدر
ترسلني غمامة بيضاء من تراب ..
فألمح الكون قد استحال تحت إظفري

هنا بكيت ُ ..
ها هنا اغتربتُ ..
هنا احتميت ُ حين ضجّ الكبت ُ ..
هنا بكوتشينة أقداري لعبت ُ ..
هنا أكلت ُ .. وهنا شربت ُ ..
وها أنا .. مازلتُ هاهنا

في هذه المقاهي
مضى بي العمر ..
أقصدها إن عمّني اغتراب
وماتزال غربتي كامنة في محجري

=====================================================================================

ما أبقت لي الدنيا سوى هذا النيكوتين يرف في دمي .. صاحب القيم يقول أفلستُ وبقيت لي قيمي أنا خير ممن أفلس وفقد قيمه .. وهو في الحالين مفلس ..

أفلستُ .. خيولي خسرت .. إيماني خسر .. أنا خسرت إيماني .. المؤمنون دائماً يخسرون .. وأكثر من مئة ألف نبي لم تذكرهم الكتب السماوية خسروا كل شيء وماتوا بحسرة ..
{ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون} .. أستغفرك اللهم وأتوب إليك .. لم أعد أعلم شيئاً .. كل الأمور التي أكون متيقنا منها لا تحدث .. أنام مساءاً متيقنا من أني سأصحو غداً في رجاء بأن لا أصحو .. والمصلحون يروون حكايا الناجحين وبداياتهم البائسة ولكنهم لا يروون حكايا المفلسين .. حتى التواريخ الفردية لا يكتبها سوى المنتصرون ..

جبيني مازال مغطى بالغبار .. وبطاقة الهوية لم أعثر عليها بعد .. أعود إلى المقهى كنفاية حرثها بنغالي بحثاً عن علب فارغة وتركها مبعثرة .. بشتات يهودي وحزن صعلوك .. أين ذهبت نبوتي .. ولِمَ انقطع الوحي .. جمر يا محمد .. من يدري .. ربما لو سعلت أكثر ستخرج اغتراباتي بهيئة قطع لزجة أتحشرجها لثانية ثم أبصقها وأتسامى مع الأبخرة ..