الرياض .. الثانية صباحاً .. طريق الملك عبد الله .. زعيق linkin park : I’ve become so numb .. أشارك في الزعيق : I’ve become so numb .. أزيد في السرعة .. لم أعد أخشى الرادارات .. ربما وددت في سري لو يحجزني في الناصرية فتفوتني الرحلة .. لم أعد أدري ما أريد فعلاً وما لا أريد .. هل أستطيع فعلاً أن أكون numb ؟ .. أعيد الأغنية منذ البداية .. أستحضر كل إساءات المجتمع وأغني :
I’ve become so numb I can’t feel you there
Become so tired so much more aware
I’m becoming this all I want to do
Is be more like me and be less like you

الرياض .. الساعة الثانية صباحاً .. تبدو أجمل بدون زحام .. ولكن الغطاء المنحسر عن فخذها لا يغويني .. كنت أحاول فتق الفجر وحين لم أفلح قررت فقط الرحيل عن الظلمة .. وضبت حزني وألمي وتركت غاضباً ألمي .. تركته يهتز بتشنج كسمكة أخرجت من الماء .. أحببته جداً .. اعتبرته دائماً درعي الذي يقيني محاولات الوصاية .. الآن لا أحتاجه .. ليس بعد الآن .. سأتخفف من كل رواسب الماضي .. سأتعرى تماماً .. سأكون أنا .. أنا فقط .. all I want to do is be more like me and be less like you

أخرج الاسطوانة .. أضع اسطوانة أم كلثوم .. تهمس (أقبل الليل) .. فتعتريني رعشة لا أدري من أين .. أطفئ جهاز التسجيل .. فأدرك من صوت السيارة كم كنت مسرعاً .. أخفض سرعتي .. يا لهذا الحزن يا أم كلثوم .. كم طال ليلك حتى غنيتي (أقبل الليل) و (هذه ليلتي) و (ألف ليلة وليلة) .. أتراه أطول من ليلي .. أم أطول من ليل هذه المدينة .. أم بحثتِ فقط عن إثارة أشجان الجمهور لتكسبي أكثر .. وهل ما يقبل فعلاً هو الليل ؟ .. لست أدري .. لم أعد أستطيع الفهم .. شوهتني هذه الرياض .. بشّعتني .. ما كنت أستطيع العودة إلى قريتي .. كنت كإناء فخار جف مشوهاً .. سينكسر لا محالة .. رياض .. ولا رياض .. سوى أكوام الإسمنت والحديد التي انعكست على أخلاق أهلها ومبادئهم .. تعمدت قبل الذهاب إلى المطار أن أسير بشكل مربع كبير .. من الدائري الشرقي إلى الجنوبي إلى طريق الملك فهد ثم طريق الملك عبد الله .. أسلك طريق المطار وأتركها خلفي .. مدينة لا تسمع الشِعر .. عصافيرها لا تشرب الحليب .. وجداتها لا يروين الحكايات الخرافية .. مدينة من صفيح .. لا أكثر من صفيح ..

ثلاث ساعات متبقية على الرحلة .. بوابة المطار الخرسانية جافة وصلدة .. زخارفها كئيبة وخالية من الفن .. وعلى بعد خطوات من العسكر تنمو الأزهار حزينة .. اغتصبوا حريتها ووضعوها هنا .. حيث لا تنتمي .. مثلي تماماً .. من وضعني هنا ؟ .. لا أحد .. بالتأكيد ليس أنا .. ركنت سيارتي في الأقبية الباردة وودت لو أبكي .. التوحش يخربش في داخلي كقطة مذعورة .. ولكني لا أستطيع البكاء .. numb ؟ .. لا أدري فعلاً أأنا أحاول ذلك أم أكابده .. السيارة المركونة بشكل عشوائي لا تعنيني .. والمفتاح الذي تركته بداخلها لا يعنيني .. أحرق الحقل وأمضي خلف نبوءة أي عقرب بوصلة يشير إلى أرض تستزرع .. لولا فقط قرع خطواتي على هذا الصلد لكنت أكثر تماسكاً ..

لم يعد أي موظف يثير سخطي .. أطالع للأعلى وأتأمل المثلثات المفغورة وكأنها دموع آلهة جفت هكذا .. أسحب حقيبتي خلفي وأنا أرى الكثير من الأشياء والأماكن واللحظات تتساقط على طول مسيري .. ولكنها يا للعجب لا تثير أي عابر .. وعلى المقاعد المتجهمة أخرجت الباكيت المكتنز .. أشعلت سيجارة واحدة ورميت الباكيت والولاعة .. للمرة الأولى أترك التدخين بصدق دون الحاجة إلى قطع وعود .. جميل أن تحترق .. أن تحرق بقية الحقل في داخلك .. أن تستنشق هواء الحرية مهما كان فاسداً .. ومهما كان بارداً وغريباً عن صباحات فيروز .. علك تستفيق على كائن هو أنت بلا تشوهات .. ربما تجد فيه المواساة التي تحتاج .. لا أجزم بذلك ..

في صالة الانتظار يغني وديع (عندك بحرية .. يا ريّس) ولكن الإيقاع لا يلائمني .. يختفي الصوت .. يهتف عبدالحليم (سافر .. من غير وداع .. من غير وداع .. من غير وداع) يكررها ثلاثاً ويطيل نَفَس الأخيرة .. أتوتر وأشعر برغبة في تدخين سيجارة ولكني بلا باكيت .. تتسلل نجاة بصوتها (سافر من غير معاد .. ولا إني أودعك) فتعاودني الرغبة في البكاء .. ولكني مجدداً لا أستطيع .. ألقي برأسي بين يدي أغمض عيني .. ومن مساحات العتمة وتقاطعات الومض تتشكل تدريجياً صورة فتى أسمر حزين .. حين قال للمعلم (أستاذ .. الضرب ممنوع) ضربه بدوره دون أن يعي هذا الصبي جريمة الكلمة .. إعلان الموقف بطفولة ومحاولة إصلاح الكون .. منذ ذلك الحين لم تتوقف العصي عن جلد ظهره وضميره وواقعه .. وكان صمته حين يخشى هو أقساها وأكثرها استنزافاً لرصيده من احترام ذاته .. الصوت عبر المكبر يعلن عن خفقانه وهاهو يقف باعتداد يشد ظهره ويمضي بخطوات ثابتة نحو البوابة وقد ترك عامداً حقيبته على المقعد ..

وكنت أهم بصعود الطائرة حين تذكرت موعد أمي مع طبيب الأسنان .