You are currently browsing the monthly archive for نوفمبر 2010.
استعضت عن أحلامي المبتورة بملاءات الزنازن الفردية وحاولت أن أخفق .. تصورت أن هذا الريش المنتوف ليس لجناحيّ وحاولت أن أغرّد .. الأصيل اللافح لا يليق باشتهاء أنوي تزويره .. جمعت الهواء في رئتيّ وهبطت بصدري على شوكة نافرة .. وحين بلغت الانتشاء احتضاراً صرخت .. ومتّ جدباً
الرياض .. الثانية صباحاً .. طريق الملك عبد الله .. زعيق linkin park : I’ve become so numb .. أشارك في الزعيق : I’ve become so numb .. أزيد في السرعة .. لم أعد أخشى الرادارات .. ربما وددت في سري لو يحجزني في الناصرية فتفوتني الرحلة .. لم أعد أدري ما أريد فعلاً وما لا أريد .. هل أستطيع فعلاً أن أكون numb ؟ .. أعيد الأغنية منذ البداية .. أستحضر كل إساءات المجتمع وأغني :
I’ve become so numb I can’t feel you there
Become so tired so much more aware
I’m becoming this all I want to do
Is be more like me and be less like you
الرياض .. الساعة الثانية صباحاً .. تبدو أجمل بدون زحام .. ولكن الغطاء المنحسر عن فخذها لا يغويني .. كنت أحاول فتق الفجر وحين لم أفلح قررت فقط الرحيل عن الظلمة .. وضبت حزني وألمي وتركت غاضباً ألمي .. تركته يهتز بتشنج كسمكة أخرجت من الماء .. أحببته جداً .. اعتبرته دائماً درعي الذي يقيني محاولات الوصاية .. الآن لا أحتاجه .. ليس بعد الآن .. سأتخفف من كل رواسب الماضي .. سأتعرى تماماً .. سأكون أنا .. أنا فقط .. all I want to do is be more like me and be less like you
أخرج الاسطوانة .. أضع اسطوانة أم كلثوم .. تهمس (أقبل الليل) .. فتعتريني رعشة لا أدري من أين .. أطفئ جهاز التسجيل .. فأدرك من صوت السيارة كم كنت مسرعاً .. أخفض سرعتي .. يا لهذا الحزن يا أم كلثوم .. كم طال ليلك حتى غنيتي (أقبل الليل) و (هذه ليلتي) و (ألف ليلة وليلة) .. أتراه أطول من ليلي .. أم أطول من ليل هذه المدينة .. أم بحثتِ فقط عن إثارة أشجان الجمهور لتكسبي أكثر .. وهل ما يقبل فعلاً هو الليل ؟ .. لست أدري .. لم أعد أستطيع الفهم .. شوهتني هذه الرياض .. بشّعتني .. ما كنت أستطيع العودة إلى قريتي .. كنت كإناء فخار جف مشوهاً .. سينكسر لا محالة .. رياض .. ولا رياض .. سوى أكوام الإسمنت والحديد التي انعكست على أخلاق أهلها ومبادئهم .. تعمدت قبل الذهاب إلى المطار أن أسير بشكل مربع كبير .. من الدائري الشرقي إلى الجنوبي إلى طريق الملك فهد ثم طريق الملك عبد الله .. أسلك طريق المطار وأتركها خلفي .. مدينة لا تسمع الشِعر .. عصافيرها لا تشرب الحليب .. وجداتها لا يروين الحكايات الخرافية .. مدينة من صفيح .. لا أكثر من صفيح ..
ثلاث ساعات متبقية على الرحلة .. بوابة المطار الخرسانية جافة وصلدة .. زخارفها كئيبة وخالية من الفن .. وعلى بعد خطوات من العسكر تنمو الأزهار حزينة .. اغتصبوا حريتها ووضعوها هنا .. حيث لا تنتمي .. مثلي تماماً .. من وضعني هنا ؟ .. لا أحد .. بالتأكيد ليس أنا .. ركنت سيارتي في الأقبية الباردة وودت لو أبكي .. التوحش يخربش في داخلي كقطة مذعورة .. ولكني لا أستطيع البكاء .. numb ؟ .. لا أدري فعلاً أأنا أحاول ذلك أم أكابده .. السيارة المركونة بشكل عشوائي لا تعنيني .. والمفتاح الذي تركته بداخلها لا يعنيني .. أحرق الحقل وأمضي خلف نبوءة أي عقرب بوصلة يشير إلى أرض تستزرع .. لولا فقط قرع خطواتي على هذا الصلد لكنت أكثر تماسكاً ..
لم يعد أي موظف يثير سخطي .. أطالع للأعلى وأتأمل المثلثات المفغورة وكأنها دموع آلهة جفت هكذا .. أسحب حقيبتي خلفي وأنا أرى الكثير من الأشياء والأماكن واللحظات تتساقط على طول مسيري .. ولكنها يا للعجب لا تثير أي عابر .. وعلى المقاعد المتجهمة أخرجت الباكيت المكتنز .. أشعلت سيجارة واحدة ورميت الباكيت والولاعة .. للمرة الأولى أترك التدخين بصدق دون الحاجة إلى قطع وعود .. جميل أن تحترق .. أن تحرق بقية الحقل في داخلك .. أن تستنشق هواء الحرية مهما كان فاسداً .. ومهما كان بارداً وغريباً عن صباحات فيروز .. علك تستفيق على كائن هو أنت بلا تشوهات .. ربما تجد فيه المواساة التي تحتاج .. لا أجزم بذلك ..
في صالة الانتظار يغني وديع (عندك بحرية .. يا ريّس) ولكن الإيقاع لا يلائمني .. يختفي الصوت .. يهتف عبدالحليم (سافر .. من غير وداع .. من غير وداع .. من غير وداع) يكررها ثلاثاً ويطيل نَفَس الأخيرة .. أتوتر وأشعر برغبة في تدخين سيجارة ولكني بلا باكيت .. تتسلل نجاة بصوتها (سافر من غير معاد .. ولا إني أودعك) فتعاودني الرغبة في البكاء .. ولكني مجدداً لا أستطيع .. ألقي برأسي بين يدي أغمض عيني .. ومن مساحات العتمة وتقاطعات الومض تتشكل تدريجياً صورة فتى أسمر حزين .. حين قال للمعلم (أستاذ .. الضرب ممنوع) ضربه بدوره دون أن يعي هذا الصبي جريمة الكلمة .. إعلان الموقف بطفولة ومحاولة إصلاح الكون .. منذ ذلك الحين لم تتوقف العصي عن جلد ظهره وضميره وواقعه .. وكان صمته حين يخشى هو أقساها وأكثرها استنزافاً لرصيده من احترام ذاته .. الصوت عبر المكبر يعلن عن خفقانه وهاهو يقف باعتداد يشد ظهره ويمضي بخطوات ثابتة نحو البوابة وقد ترك عامداً حقيبته على المقعد ..
وكنت أهم بصعود الطائرة حين تذكرت موعد أمي مع طبيب الأسنان .
المقاهي الغارقة في الضجر والأغاني العراقية وصراخ المراهقين لطالما احتضنت حزني .. لطالما منحتني الشِعر والكتابات الانثيالية .. في أبخرة معسلها تبخرت وتشتت وتلاشيت وعدت منهكاً كل مساء يستطيع النوم ..
علاقتي بهذا الأثاث المتسخ والصراخ بطلب الجمر اقتصرت على المساءات التي أشعر فيها بالوحدة والغربة والتوحش .. ويا لكثرتها في حياتي ..
رحلت حبيبتي .. تركتني مع مكانها الخالي في السرير وزجاجة عطرها بقرب المرآة .. وتريد مني أن أنام دون أن أدخن غيابها .. دون أن أسعل بفقدها .. رحلت حبيبتي ويحق لأحزاني أن تتخثر ببعض النيكوتين حتى يخف خفق الأشباح فوق رأسي ..
لو تعلم تلك الغائبة بأهرامات الحنين المكدسة في أضلعي .. لو تدري بقرب الحيطان من صدغيّ .. لحقنت أرجيلة في وريدي وقالت : مت سعيداً على الأقل حين لم تعش سعيداً ..
============================================================================
هذا التضاغط والتخلخل المتتالي في حياتي مرهق حد الموت اختناقاً وانزكاماً في آن واحد .. حشر الأيام الطوال في سويعات قليلة يبدو حلاً ثانياً ولكنه بعد التجربة غدا أزمة أخرى وعقدة أخرى في تلافيف دماغي المثخن .. هل كان يمكن أن أقف قبل هذه المحطة ؟ .. كل المدن كانت موصدة وأنا كنت بحاجة إلى بطاقة هوية فرجال الجمارك لا يعترفون بشيشتي .. الواقع أني مازلت بحاجة إلى بطاقة هوية ..
على كشك الأحلام أخرجت يدي من جيبي ودفعت كل ما تبقى من مرتبي .. وحين لم يكف المبلغ اتفقنا أن آجره ثماني حجج فإن أتممتها عشراً فمن عندي .. وابتعت احتمال .. قلت مازحاً: (ربما تأتي مكرمة ملكية بتكرار الحج أكثر من مرة في العام الواحد) فضحكت النجوم في السماء .. كان الكون قد بدأ يغدو أكثر جمالاً .. وكنت أغدو أكثر اغتراباً .. وعثاء السفر في فؤادي لم تُمسح بعد .. الغبار مازال يغطي جبيني .. وشَعري هو هو الغير مسرح .. تصورت أن جبيني بالسجود سيغدو أقل تعاريجاً ولكنه….. الغبار ..لعنة الله على الغبار ..
ومثلي ولد بملامح لا أستطيع معها تزوير بطاقة هوية .. بعض المدن أغلقت أبوابها وأنا خائف وأريد أن أنام .. رويداً رويداً يثقل النبض وتقل حرارته والنجوم لم تعد تضحك .. حتى إني توقفت عن المزاح ..
الأجساد التي دفنتها كي أبني مدينة بدأت تظهر رؤوسها وكأنها بذور ينبتها القحط .. صراخ الرؤوس النابتة لم يعد يثير حزني ولكني بحاجة إلى النوم ..
تضاغط .. تخلخل .. تضاغط .. تخلخل .. تضا……………..
==========================================================================================
وهذه المقاهي
دائمة الضجر ..
تستل من ذاكرتي عود ثقاب ..
وتضرم الكآبة الشوهاء في مشاعري
وهذه المقاهي
في ساعة السحر
وادعة ُ أنفاسها كهدأة المحراب ..
وترسم القلوب والأبيات فوق دفتري
وهذه المقاهي
صناعة الخدر
ترسلني غمامة بيضاء من تراب ..
فألمح الكون قد استحال تحت إظفري
هنا بكيت ُ ..
ها هنا اغتربتُ ..
هنا احتميت ُ حين ضجّ الكبت ُ ..
هنا بكوتشينة أقداري لعبت ُ ..
هنا أكلت ُ .. وهنا شربت ُ ..
وها أنا .. مازلتُ هاهنا
في هذه المقاهي
مضى بي العمر ..
أقصدها إن عمّني اغتراب
وماتزال غربتي كامنة في محجري
=====================================================================================
ما أبقت لي الدنيا سوى هذا النيكوتين يرف في دمي .. صاحب القيم يقول أفلستُ وبقيت لي قيمي أنا خير ممن أفلس وفقد قيمه .. وهو في الحالين مفلس ..
أفلستُ .. خيولي خسرت .. إيماني خسر .. أنا خسرت إيماني .. المؤمنون دائماً يخسرون .. وأكثر من مئة ألف نبي لم تذكرهم الكتب السماوية خسروا كل شيء وماتوا بحسرة ..
{ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون} .. أستغفرك اللهم وأتوب إليك .. لم أعد أعلم شيئاً .. كل الأمور التي أكون متيقنا منها لا تحدث .. أنام مساءاً متيقنا من أني سأصحو غداً في رجاء بأن لا أصحو .. والمصلحون يروون حكايا الناجحين وبداياتهم البائسة ولكنهم لا يروون حكايا المفلسين .. حتى التواريخ الفردية لا يكتبها سوى المنتصرون ..
جبيني مازال مغطى بالغبار .. وبطاقة الهوية لم أعثر عليها بعد .. أعود إلى المقهى كنفاية حرثها بنغالي بحثاً عن علب فارغة وتركها مبعثرة .. بشتات يهودي وحزن صعلوك .. أين ذهبت نبوتي .. ولِمَ انقطع الوحي .. جمر يا محمد .. من يدري .. ربما لو سعلت أكثر ستخرج اغتراباتي بهيئة قطع لزجة أتحشرجها لثانية ثم أبصقها وأتسامى مع الأبخرة ..
يفاجئك المطر في بتايا فتدخل أقرب بار خامل .. تندس فيه كجرذ خائف وترشف الاطمئنان من كؤوسه .. تحكي مع الفتاة خلف المشرب .. تعلمك لعبة محلية فتقضيان الساعة القادمة بين نرديها .. تريك صورة طفلها وأنت تمتدح جماله وتقيس طول ابتسامتها .. وتتحدثان .. لا أحد في البار الخامل في هذه الظهيرة إلا أنت وهي والخمر .. المطر في الخارج توقف وأنت لا تخرج
في بتايا .. لا يحتاج المطر إلى موعد .. يأتي كبديهة طفل .. ويرحل كذلك .. وهي تغتسل دائماً ولكنها بلا خطيئة .. فخذاها المفتوحان مجرد عمل وهي تؤديه باقتدار وخدمة الخمس نجوم
وقفتُ في وسط الشارع ورفعت رأسي إلى السماء فاتحاً فاي .. أريد أن أعرف ما طعم هذا المطر .. ولكن رائحة التبغ في فمي أجفلته فبدا غريباً
كل فتاة حاورتني امتدحت اسمها ثم لم أتذكره بعد دقائق .. تكفي الموسيقى هنا .. الإيقاع فقط .. وأنت تهز ركبتك وتعرف الخطوة المناسبة ولكنك تنسى الأسماء .. أنت دائماً ما تظن أن أسمائهن كوجوههن .. متشابهة
ثلاث نساء أحببتهن في بتايا .. حسناء الماركت التي تبيعني ساندويتش التونا في الخامسة فجراً .. والسيدة العجوز التي أرتمي عندها في كل نهاية تسكع مع آخر النهار .. أنهار على الأريكة متعباً وأدخل في غفوة بينا أناملها نافرة العروق تبحث عن خطوط الطاقة بين أصابع قدمي .. حتى إذا انتبهت بعد دقائق رأيت وجهها المتغضن بين قدمي فكدت أنزلهما عن الأريكة معتذراً ولكنها تؤدي عملها مبتسمة وتكمل المساج ..
المرأة الثالثة لا أعرف ملامحها .. رأيتها أكثر من مرة في آخر الرواق ولكنها لا تدخل غرفتي حين أكون موجوداً .. أعود من الخارج فأجد أنها رتبت الغرفة بشكل يخجلني ويزيد من حبي لها .. وأنثر الفوضى مرة أخرى
أعظم شعور اختبرته في بتايا هو المسير أثناء المطر مع فتاة تحمل مظلة .. أن تضع يدك حول خصرها وبعض من شعرها يرقص فوق خدك .. وتهربان من حوافر المطر
والحديث عن المطر في بتايا .. تلك الحسناء التي تغتسل دون خطيئة .. وكأنما يأتيها المطر زبوناً يدفع لها ثم يرمي قطراته في جوفها ويسافر مرة أخرى ككل الزبائن
وكنت أنا النادرة التي عصرت دموع الضاحكين حين قلت بأني لم أمارس الجنس من قبل .. قلتُ إني (أعذر) مذكر عذراء فلم يصدقني أحد .. وبعد أن تيقنوا من صدقي انفجروا بالضحك والتعليقات .. بعد قليل سألتني فتاة باستغراب صادق (لماذا جئت إلى بتايا ؟) فهتفت : من أجل المطر
حاولت طوال إقامتي فيها أن ألتقط لها صورة مثيرة .. ولكن هذه الحسناء لا ترتاح على الأريكة
ومع كثرة الباعة المتجولين لا تعود تنظر إلى بضائعهم .. حتى جاءتني طفلة جميلة تبيع وروداً حمراء .. فابتعت واحدة اخترتها بعناية .. وقبل أن تنصرف الطفلة استوقفتها ومددت لها الوردة بطريقة مسرحية وأنا أتمنى بالفعل لو أقبل جبينها .. همست في أذنها : بيعيها مرة أخرى .. وكانت الطفلة سعيدة .. وكنت أكثر سعادة
وقطرات المطر تنحدر .. تجرف عن جسدها ملح البحارة ولهاثهم خلف أذنيها .. وتنام هي بسلام
