- أبي.. لقد تعبت
- اخرس واحفر
- منذ ألوف الأعوام ونحن نحفر ولم نجد ما نبحث عنه
- وسنستمر بالحفر حتى نجده..
- ألا نكتفي بما وجدناه منها ؟
- ما وجدناه منها يطيل العمر.. ولكنه لا يتيح لنا الخلود
- ولماذا نريد الخلود ؟..
نظر إليه شزراً ولم يجب , واستمرا بالحفر

- أبي..
- ألا تستطيع الحفر ساكتاً
- أريد أن أسأل
- افعل
- كيف يبدو شكل هذه الجرة ؟
ثبت نظره في الحفرة وتوقف عن الحفر قائلاً بصوت أقرب إلى الهمس :
- هي جرة مزخرفة.. من الذهب الخالص.. مرصعة بأغلى وأندر الجواهر والدرر , عندما اختلف أفراد القبيلة أصبحت مجموعة من الأجزاء والقطع الصغيرة , تقول الأسطورة إن بعض أجزائها تتناقض مع البعض الآخر.. كأن تجد أكثر من عروة يمنى يختلفن في الشكل ونقطة الالتقاء بالجرة . وتضمن هذه الجرة لمن يستطيع جمع أجزائها والمزاوجة بينها الخلود الأبدي..
- ولكن كثيراً من الناس قد وجدوا بعض أجزائها .. فكيف سنستطيع إتمامها ؟
- لا توضح الأسطورة كل شئ.. ولكننا لن نيأس
صمتا لحظات فقال الأب :
- والآن عد إلى الحفر ولا تضيع الوقت بالثرثرة

عادا إلى الحفر لفترة طويلة , قبل أن يتوقف الفتى عن الحفر بذهول..
- لِمَ توقفت عن الحفر أيها المتكاسل ؟
- أبي.. ماذا لو متُّ ولم أجد الجرة بعد
- لن تموت
- وكيف تضمن لي ذلك وأنا لم أجد الجرة بعد ؟
- لا ضمانات
- إذن فلِم أحفر
- بحثاً عن هذه الضمانات
- وماذا إن انتهى عمري في البحث عنها ولم أجدها
- عندها تكون فعلت ما يتوجب عليك فعله
- وخرجت صفر اليدين
هدأت نبرة الأب , وقال بتوجس :
- بماذا تفكر ؟
- بأن أتوقف عن الحفر وأعيش عمري فقط .. لا أريد سواه
انفجر الأب غاضباً :
- توقف عن هذا الحمق وعد للحفر ..
عقد الفتى ساعديه أمام صدره وقال بهدوء :
- لن أفعل يا أبي
قال الأب وهو يصك على أسنانه :
- أتعنيها تماماً ؟
هز الفتى رأسه بالإيجاب , فانفجر الأب مرة أخرى :
- ستعيش ملعوناً.. وتموت ملعوناً.. يا ضيق الأفق يا محدود النظرة..
هز الفتى رأسه كمشفق , ثم أدار ظهره ومضى بينما أبوه يرعد ويزبد من خلفه
- أيها المأفون.. فكر فقط كيف تمضي يومك.. انشغل بالتفاهات واترك العظائم للعظام..

ولكن الفتى كان مشغولاً بتأمل الفضاء من حوله والمشي ببطء نحو خط الأفق .