في تكور قبضته على الطاولة والعروق النافرة من أصابعه , في عينيه المغمضتين والحاجبين المنعقدين , ومسحة الحزن على جبينه , كان ثمة حكايات تُسترجع لا أستطيع استكناهها . وحين انشغلتُ بمتابعة مباراة البلياردو بين الفتاتين المحليتين ونظرتُ إليه أخرى كان قد طلب كأس (تاكيلا) جرعه بعنف وأردفه بجرعات من البيرة ..
غريبان في المقاعد الطويلة المستديرة على ضلعي الزاوية القائمة للمشرب وجدا في ملامحهما الخليجية سبباً للانقباض المفاجئ كهبوط ظلال قاتمة لصور الدم والعَرَق وتسلط الآلهة .. قال دون أن ينظر : من أين أنت؟.. نطقها بالطفولة الغاضبة والتلقائية التي تسكبها الخمرة في العروق , ومع كراهيتي السؤال أجبت : من الرياض , تنهد وقال : قاتلكم الله جئتُ هارباً منكم , قلتُ بهدوء : عليكم اللعنة .. أنا هارب منكم أيضاً , وضحكنا كمخمورين ..

في الحديث البعيد نطقنا أسماء الملاعين دون خوف , تحدثنا في السياسة والدين والمجتمعات وأطلقنا الشتائم القذرة دون مواربة .. اختلفنا قليلاً واتفقنا كثيراً وتمنينا معاً حريقاً يهلك الدغل كي يقتل كل الجراثيم , حجرين يلتقيان خارج مدارات الاهتزاز والتطاحن فلا يبرقان شرراً بل يصطفان عاريين في محاولة تضامن لرد البحر أو على الأقل الصراخ بجنون ضد أمواجه الديكتاتورية ..

آن صرخت الفتاة عارية البطن فرحة بفوزها كان يعصر الليمون على حواف كأسه ويضيف له بعض الملح كي يخفف مرارة المشروب وأنا أدخن بهدوء وكأننا قد تواطئنا دون حديث على صمت يحتاجه كلانا ..

نوع الموسيقى الذي لا يتغير وقمصان الهارلي دافيدسون المعلقة تشي بأن الرجل الغربي ضخم الجثة الذي كان هنا قبل دقائق هو مالك البار .. قميصه وشواربه الطويلة التي تحتل الخطوط الوسطى للدقن هي عرف لنمط حياة غربي متصعلك يتخذ الطرق الطويلة ملاذاً من المدنية الصاخبة والمثيرة للتقيؤ , جاء إلى هذا البلد الاستوائي ليعيش بسلام مخلصاً لفلسفته بينما نتزيف نحن داخل خنادق العداوة والتحفز غير قادرين على المكاشفة والتجلي .. في الغد سأتحدث عنه مع رفيقيّ ليقول أحدهم : الفرق بيننا وبينه كالقفز من منصة البانجي.. هو يريد القفز فقفز، قلتُ بغضب : فما عذري أنا وقد قفزت البانجي حين لم تفعلا .. غير قادر على القفزة الأوجب , وضع يده على حواف كأسه وأداره ببطء للجهتين دون أن يجيب ..

خلعوا امرأتي عني لعدم كفاءة النسب .. قال الغريب الذي ألقته المنافي ليشاركني اللعنات والضحك في هذا المساء السكير ، قلت: خلعوا ذاتي مني بتهمة الزندقة .. ثم ندمت على عدم إعلاني التعاطف معه حينما لم تستثره عبارتي.. مرت دقائق صمت كانت المراوح فيها تترنح لتبديد الرطوبة الخانقة قبل أن يسأل في محاولة لاستدراج أي حديث يبدد الوحشة : أين رفاقك الذين كانوا بالأمس معك هنا ؟ ، قلت : ينامون في الفندق .. وأنت ألا تنام ؟ .. فغنيت له عبارة فيروز : الليل مش للنوم أصل الليل للسهر .. قهقه طويلاً قبل أن يقول : هاهو ذا عربي أصيل لا ينسى أقوال الحكماء من مغنين ووزراء عسكريين وشيوخ كتاتيب ، فابتسمتُ دون رد ، قال مكملاً قهقهته : أتعلم ؟ توقعتُ من عمرك والوشوم في يديك والقلائد في عنقك ما تفاجئني بضده في كل عبارة تتحدثها ، قلتُ : أعرف نفسي جيداً ويعرفني الله جيداً ولا يهمني إن لم يعرفني الناس ، قهقه من جديد : وهذه واحدة أخرى ..
ثم لذنا بصمت جديد كانت دقائقه كافية لاستثارة الزبد الطافح من رؤوسنا .. رفعتُ كأسي عالياً : بصحة كل أبناء الزنا والمواكب الرسمية والألقاب .. كل تلك البقاع الملوثة بالقبيلة واللحى البلاستيكية والمجارير هي لكم , فاستثارته عبارتي حد الهيجان وقرع الكأسين بعنف , كان يشرب وعيناه تومضان بوهج الدم والبروق الخاطفة والرغبة البدائية في القتل والرقص .. يبدو بإنهاك جثة بحار طافية منذ آلاف السنين .. وحين جاءت النادلة بالكأس الجديد سألت باسمة بإنجليزيتها الركيكة : أأنتما من إسرائيل ؟ .. فكان سؤالها هو بالونة الكوميديا السوداء التي انفجرت على رؤوسنا لنضحك من جديد على أحزاننا ومواقعنا الإعرابية .. تلبس ككل الفتيات في هذا البلد تنورة قصيرة جداً وقميصاً عاري الكتفين .. اسمها (بون) وكل أسماء الفتيات هنا ثلاثية يتوسطها حرف مد كـ(توم) و (فون) .. اكتفت بقهقهتنا الجامحة وذهبت دون إجابة .. وحين جاءت للغريب بزجاجة بيرة وضعتها في حافظ برودة فليني عليه صورة اللعبة المحلية (مو تاي) وانصرفت باسمة ..

دنا مني : ما أخبار البنات هنا ؟ ، قلت : لا أزني .. فرفع حاجبيه : أراك تقبّل كثيراً ، قلت له : بحثاً عن الإلهام ، تأفف بضيق : يا لغرورك ، فحاولت التودد : القبلة نوع من العطر .. استنشاق وردة بمذاق مختلف .. أما الجنس فهو عملية حيوانية مقززة ودهس للورود ، زم شفتيه : ربما .. ثم عاود الضحك : قد تقبّل ليدي بوي وأنت تخاله فتاة ، قلت : وما الأهم .. حقيقة الأشياء ؟ أم ما نعتقده عنها ؟ .. هتف بظفر وقد عثر على سقطة مستذكي : انتبه أن تخالف فلسفتك ، بتهرب قلت : لا تحتاج الحياة إلى محاولة فهم بقدر محاولة جعلها أجمل .. رشف الجرعة الأخيرة من البيرة بحزن : يسهل البحث عن مواطن الجمال حين لا تدمى الذاكرة .. وحين لم أجد ما أقول لذتُ بالصمت ونحن نتابع معاً الشارع الخالي سوى من عبور بضع دبابات وعربات التك تك ..

لأيام تالية ستروي النادلة لرفيقاتها عن سكيرين شرقيي الملامح تحدثا طويلاً وضحكا طويلاً وبكى كل منهما وهو يشيح بوجهه عن رفيقه ثم تجادلا لخمس دقائق حول من يدفع الحساب .. وتركا لها بخشيشاً كبيراً …