من الخط الفاصل بين التلاشي والانعدام أسرق قلمي الآن لأغمسه ببقية ذات.. سافرتُ ملايين الأوطان لأستبدل المنفى بغربة.. حين يعرو صفحة اليأس حجر محاولة يصبح النصر هو الخروج بخسارة أقل.. وبعد الاغتراب حد التوحش أدرك أن كل ما استطعت إحداثه هو دوائر منفلشة تلاشت بمرور الوقت..
الأحلام مطمورة بالخيبات.. والأيام تغير لون الجراح دون أن تشفيها.. أحمر.. أزرق.. أخضر.. أسود.. ألوان لجراح مفتوحة حتى مع وقف النزف ومحاولات الوقوف.. والذاكرة بلّور مهشم ملون بالجراحات المفتوحة.. وهذه الطاولة الصليب أجلس إليها كل ظهيرة فارشاً صور الجراح الملونة.. يجالسني القدر ونلعب وندخن ونضحك حتى المساء.. دائماً كان يهزمني.. ودائماً تغيب الشمس بصورة ملونة جديدة.. كنت أغسل وجهي بماء الكبرياء المقدس وألبي دعوته للرقص.. ما بعد المغيب هو احتفالية خاصة بميلاد ثلم آخر في الذاكرة.. رقص على فوهة جرح مفتوح لا ينبئ بالثوران بعد ما اغتالت فرق الإعدام الخاصة كل ثورية يمكن أن تعتري بدوياً قد يحاول دون أن يجيد إصلاح بلّور مكسور..
وعلى مفصل إعياء وسقوط وقفت دائماً بنبض ضعيف محاولاً استدراج أي كوّة للحصول على بعض القدرة..

رياح ملغومة تترصد أصنامي.. بعض أصنامي وقع والآخر رفع ذيل ردائه وانطلق إلى أضواء بغير لون الجرح.. وبقيت أنا.. تلفحني الوحدة.. حرام عليّ الوقوع.. وحرام علي اللحاق بالأضواء.. حالة انكسار متشنجة بنية الوقوف..

ارتكاب اليأس ذات سقوط جزئي ليس خيانة للصنم المكسور دون وقوع بل محاولة لدرء انهيار على وشك أن يقع حال استمرار التوحد.. ثقاب الأمل الغير مستعملة هي لعبة طفل متنحي في حال أراد بكاءً يحرم عليه..
غريباً على بعد ملايين الأوطان من المنفى.. تجلس إليّ قطة عربية.. قطة عربية دون استعارة أو رمزية.. تغفو بأمان عند قدمي وأنا أدخن بتوتر متوجساً عيوناً في الظلام..
أحمل جواز سفر وبطاقة أحوال مدنية ورخصة قيادة وبطاقة عمل.. يسألني الضابط: أين هويتك.. أرفع كتفي ولا أجيب.. يحولني للتفتيش الشخصي فيجدون في ثيابي قطة عربية مستعارة.. كانت تأكل لحمي وكنت سعيداً بمجرد أنها آمنة في ثيابي.. يجردونني منها.. الضابط يقلب رخصة القيادة ويسأل ساخراً: ومن يملك القيادة.. أجيبه: اعتزلت الأسئلة الكبيرة.. الضابط بحنق: كم تهوون دهس القطط.. أصمت مبتسماً.. لا فائدة من القول بأني بلا وطن.. سيارة رياضية مسرعة تقول: القطط حيوانات آكلة لحوم..
أخرج تاركاً ما أعرف وما لا أعرف.. أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. ستعود آمالي المدحورة رياضاً وأنهاراً كما كانت.. أضحك بعمق لهذه الشطحة.. هاهو ذا الطفل المتوحد يعبث بعود ثقاب.. (دخيل عيونك أنا.. مابدّي أوئع).. أكنس الشظايا المتناثرة وأخبئها تحت السجادة.. لم يحن الوقت للانكسار التالي.. ورغبة الطفل في البكاء تتضخم..
أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. هنا كنت أقف مكتنزاً بالنبوءات.. ثورياً كعنقود مشتعل.. لم أتدلّ.. مشرئباً يريد بلوغ أسباب السماء.. الشهقة الأولى امتدت ما بين نداء الجاذبية والنجم المرقوب.. ببنادق الصيادين اقتصرت الشهقات التالية على لحظة ولوج الرصاصة إلى ميادين اللحم.. يباساً معلقاً بقيت عوداً يرفض الاعتراف ولا ينكر الحقيقة.. يرفض الوقوع ويقدم أحلامه قربان تشبث على أمل ربيع قادم .