You are currently browsing the daily archive for ديسمبر 30th, 2007.
أنا في ظلمة بطن الحوتْ
أولـد.. أحـيـا.. ثـم أمـوتْ
قـالـوا إن الـغــيـم بـخـارٌ
والـقـعـر الأسـود ياقـوتْ
إني أتـعـفّـن في جـسـدي
تـابـوتـاً يــعــقـب تـابـوتْ
لم نـشـرب شـيـئاً لكن لا
جـهـد لـنا اليوم بجالـوتْ
الخصلة العابثة نفسها
والشفة المعجزة نفسها
ونظرة الاستنطاق الصامتة نفسها ..
قلت : تشبهينها
قالت : مين هي ؟
قلت : هي ..
حاولَتْ مداراة بسمتها
وحاولتُ مداراة لوعتي
**
كانت ترقص لوحدها
وكنت أشرب لوحدي
ترقص شاردة ..
يخيل إلي والراقصون يفصلون بيننا
أن لها رائحة العطر الثمل نفسه ..
قلت في نفسي : يااااااااااااااااه كم تشبهينها
فنظرت إلي وابتسمت
**
على الغداء غنت موالاً كردياً
وقفت بي على جبال الجنوب في تركيا
وقالت : كيف تنمو الوردة في الثلوج ..
قاطعتُ موالها الحزين : أحبكِ ..
وحين التفتت إلي رأيت في خصلتها العابثة كم كنت كاذباً
**
تنظر إلي بعين العطف
وتدرك أني أرى أحداً آخر ..
وأنظر إليها بعين الحيرة
وأدرك أني لم أعد أستطيع التمييز
**
غضبتْ حين تسمرت عيناي بها لأول مرة
قالت إنها زبونة وليست من دمى المكان ..
قلت : ليس للدمى هذا الجمال
فقالت : وللشعراء نفس الدمامة
**
حاولتُ تجنب النظر إليها
فوجدت يدها على كتفي وهي تقول :
لماذا كنت تصرخ في أحلامك ؟
أجبت :
لأني لا أستطيع الصراخ في يقظتي
**
على طاولتها كانت تدخن بغضب
نظرتها إلي تقول :
خليجي ثري يريد افتراس كل الفتيات..
وكنت أحاول تمييز الصورة
فأنا أعرف أنها لا تدخن ..
**
تمسد شَعري قائلة :
يا صغيري المسكين .. آن لك أن تشعر بالأمان
فدع صحراءك في مكانها .. وابكِ بين يدي
قلت :
كلتاهما لا تدعاني ..
**
نظرتْ إلي باستغراب وأنا أطرد الدمى المتحلقة
وحين قلت للمغني :
أنشدنا (حامل الهوى تَعِبُ)
انطلق ترقص متحاشية النظر إلي..
وحين ابتسمت لي بعد تهرب
قال المغني :
تضحكين لاهية .. والمحب ينتحبُ
**
قطعَتْ سرمدية السكون :
انظر .. القمر مخنوق بغيوم سوداء
قلت :
يا لوحشة النخيل
**
جاء النادل بكأس وبطاقة كتب عليها :
تقبل هذا الكأس اعتذاراً صادقاً
شربتُ الكأس ..
وأعدت البطاقة مكتوباً على ظهرها :
ولكني لا أعذر جمالكِ
**
بعد الموال الكردي أشاحت بوجهها حاجبة دموعها
وحين احتضنت حزنها
اندست كعصفور مذعور في صدري
**
صافحتني ..
قالت : أنا شيلان
قلت : كنت أعرفك باسم آخر
قالت : أريد الاعتذار
فأشرت لها بالصمت والجلوس بجواري
**
حين قالت باكية :
حدث ما خشيته .. إنني أحبك َ
توقفتُ عن المقارنة بين الابتسامتين
**
قلت : تشبهينها
قالت : مين هي ؟
قلت : هي
من الخط الفاصل بين التلاشي والانعدام أسرق قلمي الآن لأغمسه ببقية ذات.. سافرتُ ملايين الأوطان لأستبدل المنفى بغربة.. حين يعرو صفحة اليأس حجر محاولة يصبح النصر هو الخروج بخسارة أقل.. وبعد الاغتراب حد التوحش أدرك أن كل ما استطعت إحداثه هو دوائر منفلشة تلاشت بمرور الوقت..
الأحلام مطمورة بالخيبات.. والأيام تغير لون الجراح دون أن تشفيها.. أحمر.. أزرق.. أخضر.. أسود.. ألوان لجراح مفتوحة حتى مع وقف النزف ومحاولات الوقوف.. والذاكرة بلّور مهشم ملون بالجراحات المفتوحة.. وهذه الطاولة الصليب أجلس إليها كل ظهيرة فارشاً صور الجراح الملونة.. يجالسني القدر ونلعب وندخن ونضحك حتى المساء.. دائماً كان يهزمني.. ودائماً تغيب الشمس بصورة ملونة جديدة.. كنت أغسل وجهي بماء الكبرياء المقدس وألبي دعوته للرقص.. ما بعد المغيب هو احتفالية خاصة بميلاد ثلم آخر في الذاكرة.. رقص على فوهة جرح مفتوح لا ينبئ بالثوران بعد ما اغتالت فرق الإعدام الخاصة كل ثورية يمكن أن تعتري بدوياً قد يحاول دون أن يجيد إصلاح بلّور مكسور..
وعلى مفصل إعياء وسقوط وقفت دائماً بنبض ضعيف محاولاً استدراج أي كوّة للحصول على بعض القدرة..
رياح ملغومة تترصد أصنامي.. بعض أصنامي وقع والآخر رفع ذيل ردائه وانطلق إلى أضواء بغير لون الجرح.. وبقيت أنا.. تلفحني الوحدة.. حرام عليّ الوقوع.. وحرام علي اللحاق بالأضواء.. حالة انكسار متشنجة بنية الوقوف..
ارتكاب اليأس ذات سقوط جزئي ليس خيانة للصنم المكسور دون وقوع بل محاولة لدرء انهيار على وشك أن يقع حال استمرار التوحد.. ثقاب الأمل الغير مستعملة هي لعبة طفل متنحي في حال أراد بكاءً يحرم عليه..
غريباً على بعد ملايين الأوطان من المنفى.. تجلس إليّ قطة عربية.. قطة عربية دون استعارة أو رمزية.. تغفو بأمان عند قدمي وأنا أدخن بتوتر متوجساً عيوناً في الظلام..
أحمل جواز سفر وبطاقة أحوال مدنية ورخصة قيادة وبطاقة عمل.. يسألني الضابط: أين هويتك.. أرفع كتفي ولا أجيب.. يحولني للتفتيش الشخصي فيجدون في ثيابي قطة عربية مستعارة.. كانت تأكل لحمي وكنت سعيداً بمجرد أنها آمنة في ثيابي.. يجردونني منها.. الضابط يقلب رخصة القيادة ويسأل ساخراً: ومن يملك القيادة.. أجيبه: اعتزلت الأسئلة الكبيرة.. الضابط بحنق: كم تهوون دهس القطط.. أصمت مبتسماً.. لا فائدة من القول بأني بلا وطن.. سيارة رياضية مسرعة تقول: القطط حيوانات آكلة لحوم..
أخرج تاركاً ما أعرف وما لا أعرف.. أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. ستعود آمالي المدحورة رياضاً وأنهاراً كما كانت.. أضحك بعمق لهذه الشطحة.. هاهو ذا الطفل المتوحد يعبث بعود ثقاب.. (دخيل عيونك أنا.. مابدّي أوئع).. أكنس الشظايا المتناثرة وأخبئها تحت السجادة.. لم يحن الوقت للانكسار التالي.. ورغبة الطفل في البكاء تتضخم..
أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. هنا كنت أقف مكتنزاً بالنبوءات.. ثورياً كعنقود مشتعل.. لم أتدلّ.. مشرئباً يريد بلوغ أسباب السماء.. الشهقة الأولى امتدت ما بين نداء الجاذبية والنجم المرقوب.. ببنادق الصيادين اقتصرت الشهقات التالية على لحظة ولوج الرصاصة إلى ميادين اللحم.. يباساً معلقاً بقيت عوداً يرفض الاعتراف ولا ينكر الحقيقة.. يرفض الوقوع ويقدم أحلامه قربان تشبث على أمل ربيع قادم .
في تكور قبضته على الطاولة والعروق النافرة من أصابعه , في عينيه المغمضتين والحاجبين المنعقدين , ومسحة الحزن على جبينه , كان ثمة حكايات تُسترجع لا أستطيع استكناهها . وحين انشغلتُ بمتابعة مباراة البلياردو بين الفتاتين المحليتين ونظرتُ إليه أخرى كان قد طلب كأس (تاكيلا) جرعه بعنف وأردفه بجرعات من البيرة ..
غريبان في المقاعد الطويلة المستديرة على ضلعي الزاوية القائمة للمشرب وجدا في ملامحهما الخليجية سبباً للانقباض المفاجئ كهبوط ظلال قاتمة لصور الدم والعَرَق وتسلط الآلهة .. قال دون أن ينظر : من أين أنت؟.. نطقها بالطفولة الغاضبة والتلقائية التي تسكبها الخمرة في العروق , ومع كراهيتي السؤال أجبت : من الرياض , تنهد وقال : قاتلكم الله جئتُ هارباً منكم , قلتُ بهدوء : عليكم اللعنة .. أنا هارب منكم أيضاً , وضحكنا كمخمورين ..
في الحديث البعيد نطقنا أسماء الملاعين دون خوف , تحدثنا في السياسة والدين والمجتمعات وأطلقنا الشتائم القذرة دون مواربة .. اختلفنا قليلاً واتفقنا كثيراً وتمنينا معاً حريقاً يهلك الدغل كي يقتل كل الجراثيم , حجرين يلتقيان خارج مدارات الاهتزاز والتطاحن فلا يبرقان شرراً بل يصطفان عاريين في محاولة تضامن لرد البحر أو على الأقل الصراخ بجنون ضد أمواجه الديكتاتورية ..
آن صرخت الفتاة عارية البطن فرحة بفوزها كان يعصر الليمون على حواف كأسه ويضيف له بعض الملح كي يخفف مرارة المشروب وأنا أدخن بهدوء وكأننا قد تواطئنا دون حديث على صمت يحتاجه كلانا ..
نوع الموسيقى الذي لا يتغير وقمصان الهارلي دافيدسون المعلقة تشي بأن الرجل الغربي ضخم الجثة الذي كان هنا قبل دقائق هو مالك البار .. قميصه وشواربه الطويلة التي تحتل الخطوط الوسطى للدقن هي عرف لنمط حياة غربي متصعلك يتخذ الطرق الطويلة ملاذاً من المدنية الصاخبة والمثيرة للتقيؤ , جاء إلى هذا البلد الاستوائي ليعيش بسلام مخلصاً لفلسفته بينما نتزيف نحن داخل خنادق العداوة والتحفز غير قادرين على المكاشفة والتجلي .. في الغد سأتحدث عنه مع رفيقيّ ليقول أحدهم : الفرق بيننا وبينه كالقفز من منصة البانجي.. هو يريد القفز فقفز، قلتُ بغضب : فما عذري أنا وقد قفزت البانجي حين لم تفعلا .. غير قادر على القفزة الأوجب , وضع يده على حواف كأسه وأداره ببطء للجهتين دون أن يجيب ..
خلعوا امرأتي عني لعدم كفاءة النسب .. قال الغريب الذي ألقته المنافي ليشاركني اللعنات والضحك في هذا المساء السكير ، قلت: خلعوا ذاتي مني بتهمة الزندقة .. ثم ندمت على عدم إعلاني التعاطف معه حينما لم تستثره عبارتي.. مرت دقائق صمت كانت المراوح فيها تترنح لتبديد الرطوبة الخانقة قبل أن يسأل في محاولة لاستدراج أي حديث يبدد الوحشة : أين رفاقك الذين كانوا بالأمس معك هنا ؟ ، قلت : ينامون في الفندق .. وأنت ألا تنام ؟ .. فغنيت له عبارة فيروز : الليل مش للنوم أصل الليل للسهر .. قهقه طويلاً قبل أن يقول : هاهو ذا عربي أصيل لا ينسى أقوال الحكماء من مغنين ووزراء عسكريين وشيوخ كتاتيب ، فابتسمتُ دون رد ، قال مكملاً قهقهته : أتعلم ؟ توقعتُ من عمرك والوشوم في يديك والقلائد في عنقك ما تفاجئني بضده في كل عبارة تتحدثها ، قلتُ : أعرف نفسي جيداً ويعرفني الله جيداً ولا يهمني إن لم يعرفني الناس ، قهقه من جديد : وهذه واحدة أخرى ..
ثم لذنا بصمت جديد كانت دقائقه كافية لاستثارة الزبد الطافح من رؤوسنا .. رفعتُ كأسي عالياً : بصحة كل أبناء الزنا والمواكب الرسمية والألقاب .. كل تلك البقاع الملوثة بالقبيلة واللحى البلاستيكية والمجارير هي لكم , فاستثارته عبارتي حد الهيجان وقرع الكأسين بعنف , كان يشرب وعيناه تومضان بوهج الدم والبروق الخاطفة والرغبة البدائية في القتل والرقص .. يبدو بإنهاك جثة بحار طافية منذ آلاف السنين .. وحين جاءت النادلة بالكأس الجديد سألت باسمة بإنجليزيتها الركيكة : أأنتما من إسرائيل ؟ .. فكان سؤالها هو بالونة الكوميديا السوداء التي انفجرت على رؤوسنا لنضحك من جديد على أحزاننا ومواقعنا الإعرابية .. تلبس ككل الفتيات في هذا البلد تنورة قصيرة جداً وقميصاً عاري الكتفين .. اسمها (بون) وكل أسماء الفتيات هنا ثلاثية يتوسطها حرف مد كـ(توم) و (فون) .. اكتفت بقهقهتنا الجامحة وذهبت دون إجابة .. وحين جاءت للغريب بزجاجة بيرة وضعتها في حافظ برودة فليني عليه صورة اللعبة المحلية (مو تاي) وانصرفت باسمة ..
دنا مني : ما أخبار البنات هنا ؟ ، قلت : لا أزني .. فرفع حاجبيه : أراك تقبّل كثيراً ، قلت له : بحثاً عن الإلهام ، تأفف بضيق : يا لغرورك ، فحاولت التودد : القبلة نوع من العطر .. استنشاق وردة بمذاق مختلف .. أما الجنس فهو عملية حيوانية مقززة ودهس للورود ، زم شفتيه : ربما .. ثم عاود الضحك : قد تقبّل ليدي بوي وأنت تخاله فتاة ، قلت : وما الأهم .. حقيقة الأشياء ؟ أم ما نعتقده عنها ؟ .. هتف بظفر وقد عثر على سقطة مستذكي : انتبه أن تخالف فلسفتك ، بتهرب قلت : لا تحتاج الحياة إلى محاولة فهم بقدر محاولة جعلها أجمل .. رشف الجرعة الأخيرة من البيرة بحزن : يسهل البحث عن مواطن الجمال حين لا تدمى الذاكرة .. وحين لم أجد ما أقول لذتُ بالصمت ونحن نتابع معاً الشارع الخالي سوى من عبور بضع دبابات وعربات التك تك ..
لأيام تالية ستروي النادلة لرفيقاتها عن سكيرين شرقيي الملامح تحدثا طويلاً وضحكا طويلاً وبكى كل منهما وهو يشيح بوجهه عن رفيقه ثم تجادلا لخمس دقائق حول من يدفع الحساب .. وتركا لها بخشيشاً كبيراً …
