قلتُ لأخي الأكبر: أنت لو عشتَ في قريش لما صدّقتَ بمحمد ولرجمته بالحجارة مع الراجمين.. قال: ولأني أرفض إطالة الشَعر ترى بأني لم أكن لأسلم.. قلت: الأرضية في التعاطي مع المتغيرات واحدة.. من يرفض إطالة الشَعر لما تشكله من خروق للعادة فرفضه للإسلام في قريش أولى إذا الارتكان إلى الموروث وكلام الناس وشرع القبيلة هو الذي يرفض المظاهر الجديدة ويصر على عبادة الأوثان.. هتفَتْ أمي بحرقة: التمسنا منك نصحاً لأخيك الصغير فإذا بك تؤيده.. دار في رأسي حديث كثير عن المتغيرات الثقافية والتعاطي معها.. ولكني حاولت التبسط.. قلت: لأنه يطيل شَعره فهو لن يدمن المخدرات ولن يسرق أي سيارة.. هو يحقق ذاته ولو في شيء وهمي ولكنه علني.. الخطورة هي في المجاراة الظاهرية مع تحقيق الذات في أشياء سرية.. هو على الأقل يخوض في مباحات مدنية.. قالت بضجر: كل عيال الناس لم يطيلوا شَعرهم ولم يدمنوا المخدرات.. لم أشعر برغبة في إكمال الحوار نفسه الذي يستدرجه في كل مرة مسبب مختلف.. توقفتُ عند هذا الحد.. كيف ستعلم أمي الطيبة عن الدهاليز السرية لإفشاء الرغبات.. كيف ستعلم عن الوجوه القبيحة التي تتجرد من أقنعتها الاجتماعية لتمارس انفجار الضغط بصورة سلبية.. كيف ستعلم عن ممارسات السعوديين في الخارج حين يتواجهون مع ضمائرهم دون مجتمع مطبق كجرس كنيسة على رخام.. المجتمع الذي علمهم ذلك بمقولة (ديرةٍ ما تعرف فيها أحد……………………….) علمهم أن الرقابة هي للمجتمع فقط وليست لله أو للرقابة الذاتية..
كنتُ أمارس رياضة الجري على محيط جامعة الأمير سلطان وعيون الجميع تطاردني ككائن فضائي هبط بطبق طائر.. إلامَ تبحلق أيها المجتمع اللواطي السحاقي الدجال.. ليس لدي ما أخفيه.. هذه الفانيلة بلا أكمام هي أقصى أستاري.. وهذا الوشم بهيئة فأس على عضدي هو وشمي أنا لا وشمك أنت.. اخترته بهذا الشكل لأكسر قيودك وأشرئب بعنقي لأتجاوزك بحثاً عن هواء نظيف.. أضع السماعات في أذني وأرفع صوت evanescence أصرخ معها بنَفَسٍ أقوى bring me to life ووشمي يجتذب نظرات الاستهجان كمغناطيس ملقى في برادة حديد.. وربما التعليقات السخيفة من نماذج مثالية وفق هيئة المواصفات والمقاييس الاجتماعية.. نماذج تأتي إلى الممشى بكامل هندامها الرسمي.. تحمل الجوال بيديها الاثنتين تبحث عبر البلوتوث عن الأسماء النسائية.. وتلاحق الفتيات بوقاحة مطلقة.. هكذا تريد لي أن أمارس الرياضة أيها المجتمع !!؟ (…….you).. أشعر بالخزي.. أشعر بالعار منك.. أشعر برغبة صادقة في الاعتذار لكل الأجانب في الممشى.. أمامي مجموعة شبان أنيقي الثياب محجري الغتر محجري الفكر والأدب تشخص أبصارهم معاً إلى سيدة عربية تمشي برفقة زوجها.. تلتفت رؤوسهم معاً وكأنهم يتابعون كرة مضرب حتى تتجاوزهم السيدة وزوجها.. يا للصفاقة.. يا للصفاقة.. وهناك سيارات مضاءة المقصورة محملة بفراغ تام وأجساد ضخمة تمشي الهوينا وتلقي الكلمات البذيئة على أسماع الفتيات.. أريد الاستيقاظ في كوخ قش على جزيرة وحيدة في المحيط.. همهمة الأمواج الخافتة لا أحتاج معها إلى جهاز تسجيل.. وحفيف النخيل الاستوائي أجنحة تحلق بي إلى السماء.. والتضاريس العذبة للجزيرة أقرأها فأنسى كل قصائد بندر بن سرور.. أغمض عيني.. أفتحهما.. مازلتُ هنا.. على الممشى.. الشباب المتهندم يطاردون الفتيات ونظرات الاستهجان تلاحق وشمي.. أجري بغضب.. أجري.. أنا سعيد عويطة.. وأنتِ ياevanescenceء.. bring me to life.. وهؤلاء كلهم سيبقون مطمورين في قبور أجدادهم.. هربتُ من أجداثهم لأول مرة إلى عواصم عربية.. وهناك رأيتهم على حقيقتهم.. بالحشف وسوء الكيلة.. أعراب جاؤوا من الجاهلية بالفظاظة نفسها والرؤوس الحجرية نفسها.. ولكن بعد أن تركوا أخلاقهم ومروءتهم.. صرتُ أبحث عن أي بلد غير عربي أسافر إليه كي لا أشاهد مخرجات مجتمعي.. بلد لا يعاملني أهله كرغبة جنسية في جيوبها نفط كثير.. أعتذر إليهم بأدب وأعذرهم وأنا أشاهد ملتحٍ سكير ينثر ما يوازي الدخل الشهري لأسرة من الطبقة المتوسطة على نهدين يحاولان الانعتاق.. تمنيتُ لو أستطيع نقل المشهد إلى أمي.. هؤلاء هم (عيال الناس).. وهؤلاء من تريدين لأخي الصغير أن يصبح مثلهم.. أمي البسيطة الطيبة التي لا تتحدث إلا بالقرآن وتكذب انقسام المطاوعة على أنفسهم.. تقول: لا صحوة ولا جامية ولا تبليغ إن هي إلا أسماء سميتموها.. فأبتسم بمرارة وأنا أتذكر خطبة الجمعة الأخيرة.. استمر الخطيب الجامي كما علمتُ لاحقاً لأربعين دقيقة في كيل الشتائم وصب اللعنات على جماعة التبليغ.. منابر الجمعة أضحت نطعاً لسلخ الجميع.. المفتي يسب شيخاً إسلامياً.. الجامي يلعن التبليغ.. وآخر يقذف عرض وزير.. ورابع يسب الإعلام وأهله ويدعو عليهم بالويل والثبور.. يخيل إليك أن هذا المجتمع استوى بصورة تامة حتى انقسم على نفسه ثم تدرك أن خطبة الجمعة معزولة عن سياقها الديني الأخلاقي وهي مجرد نتاج لهذا المجتمع العفن.. يتفنن الخطباء بكل ألفاظ الهجوم على كل الجهات ويتركون واجبهم التوعوي الأخلاقي وما بعث نبيهم إلا ليتمم مكارم الأخلاق.. أدراج الأحذية على أبواب الجوامع فارغة بينما تتناثر الأحذية بعشوائية وكثيرٌ منها يتجاوز العتبة إلى داخل الجامع.. السيارات المركونة كيفما اتفق والتي تغلق كل الشوارع حول الجامع لا يمكن أبداً أن تنبئ إلا عن تخلف شديد يفضح الفشل الذريع لخطباء الجوامع.. هذه الجمعة.. اللهم العن اليهود والنصارى.. الجمعة القادمة.. اللهم العن الروافض الكلاب.. الجمعة التي تليها.. اللهم العن أهل الصحافة وأذناب السفارات الغربية.. ثم.. اللهم العن أسرة طاش ما طاش.. و.. اللهم العن جماعة التبليغ.. وليس آخراً.. اللهم العن الشيخ فلان.. آآآه الآن أدرك لماذا لا نستطيع تسجيل أي تقدم على أي صعيد.. لأن القيادات الدينية التي يؤمّن العامة خلفها ببلادة تمارس الهدم بامتياز ولا تجيد رفع أي لبنة.. دعاء واحد لا يستطيعون الجهر به.. اللهم العن السلطان.. أفكر ماذا سيحدث في السعودية لو زالت وزارة الداخلية.. السنة سيقتلون الشيعة ثم سيقتتلون فيما بينهم.. النعرات القبلية سنصبح معارك طاحنة.. المشايخ سوف يقتلون بعضهم.. والجماعات الدينية ستتقاتل حول الكعبة.. ولكنهم جميعاً -وهذه هي المفارقة المبكية- لن يشنقوا أي إقطاعي يهودي يمص دم الشعب..
يمه .. خلوا اخوي على كيفه

1 comment
Comments feed for this article
فبراير 19, 2008 في 2:39 م
محمد
الان فقط قرأ المذكرات الاربع ورأيت وجه الشبه في كثير من النقاط التي ذكرت
هنا ايضا الوضع مشابها جدا
اخي العزيز اسلوبك مريح وبسيط للقراءة
بصراحة حبيت طريقة سرد هذا الواقع
الى الامام
اخوك محمد
اذا كنت انسان