ضوضائهم تصيبني بالغثيان.. ولون الطاولات الأخضر الباهت ينضح بكآبة طافحة.. بقايا الزينة المتهدلة تلتمع كأحمر شفاه على شفتي غانية.. هذه الزينة التي لا تستمر لأكثر من أسبوع يتم خلاله اختيار أجمل فصل في المدرسة لتصبح لاحقاً تجاعيد مشينة بعد تمزيقها والتراشق بها في الفسح مع تشبث أطرافها بحائط مبقع بوسائل تعليمية تحمل من ذكريات الشِلل المتعاقبة وتشجيع الهلال والنصر والإتحاد وعبارات الفخر القبلية أكثر مما تحمل من العلم.. فتحات المكيف المفغورة دون أسنان هي مثار خصومات على أنفاسها الباردة لا تنتهي في كل فصل إلا بتحطيم كامل أسنانها كتسوية تبدو عادلة ولكنها تصب في صالح أحدهم.. الجدران هي الأخرى استحالت كشكولاً متنوع الإمضاءات والعبارات.. والقريبة منها أصبحت براشيماً مأمونة العواقب.. بخلاف الطاولات التي لا يمكن الاعتماد عليها إلا في رسومات السيارات والأحرف الإنجليزية التي عادة ما تكتب على شكل معادلة رياضية A+b
ندمتُ على عبارتي القفلة.. ((انتهى درس اليوم وبإمكانكم التحادث أو مراجعة بقية المواد)).. وددتُ لو أني أكملتُ الدقائق المتبقية من الحصة بالحكايات المستهلكة لطرفة بن العبد أو امرئ القيس.. كفوشار في مقلاة بقيتُ أطالع ساعتي ثم أغلقتُ الباب ورائي في نفس اللحظة التي دق فيها الجرس..
في غرفة المدرسين الملبدة برائحة الفول والشكشوكة.. هذه المصفاة التي لا تكرر إلا أحاديث السياسة والأسهم وقضايا المعلمين.. ترتيبها البسيط المتمثل في رص الطاولات على شكل مربع واسع وبرادة مياه صغيرة في الزاوية بحيث لا يترك للفطور إلا افتراش المنطقة الشاغرة في وسط المربع.. هذا الترتيب لا ينعكس في الفضاء حين تختلط أصوات المدرسين كلهم أثناء في الفسح.. هذا الوطن العربي المصغر بتلاطم أمواجه وتناقضه ومودته واتفاقه على عدم الاتفاق فيه سوداني جنوبي حانق على الحكومة لاضطهادها الجنوب وحانق على الجنوب لجعله القضية دينية.. وسوداني شمالي يقول بأن كل الدول العربية بما فيها مصر والخليج تساعد أمريكا في دعم ثوار الجنوب الانفصاليين.. فيه مصري إخواني.. وآخر يلعن الحكومة المصرية كل يوم.. يقول بأن هذه هي ميزة الغربة.. أن تلعن كل اللصوص في وطنك دون خوف.. فيه مصري كوميدي يوزع النكات بلا ملل.. وسوري يهز رأسه بأسى ودون أن ينطق في كل مرة يأتي فيها ذكر لبنان.. أما السعوديون فبعضهم يردد في كل يوم نفس المواضيع التي أقرأها في الإنترنت ليلة البارحة.. وبعضهم يتحلق على حاسب محمول موصول بهاتف جوال ليتعرفوا على أسعار الأسهم.. ومجموعة صغيرة لا تمل النظر إلى جوالاتها وتبادل ما فيها.. هذه المجموعة لا تدور أحاديثها إلا همساً.. الموضوع الوحيد الذي يطرب له الجميع ويساهمون فيه هو الجنس الذي يبدأه غالباً المصري الكوميدي بنكتة يضحك لها مجاوروه فينتبه مجاوروهم ويطالبونه بإعادتها ثم ينتبه الآخرون وهكذا حتى تضحك الغرفة كلها بنَفَس واحد.. وطن عربي مقموع يجد متنفسه الوحيد في شحذ موهبته الكلامية.. على السطح هناك خصومة ملحوظة غير مرئية بين مدرسي المادة الواحدة الذين يجتهدون في الدروس الخصوصية أكثر من اجتهادهم داخل المدرسة وكثيراً ما جعلوا من تدني الدرجات المُسَبَّب مسوغاً لتهافت الطلاب عليهم في بيوتهم.. رئيس جماعة التوعية الإسلامية هو المدرس الوحيد الذي لا يختلط بأقرانه ويقصر اجتماعاته بأعضاء الجماعة من الطلاب في غرفة التوعية الإسلامية التي تنتبذ ركناً قصياً في الدور الثاني.. الطاقم الإداري شبه معزول عن المدرسين.. فالمدير قد عزل نفسه اختيارياً لمنع تأثير العلاقات الشخصية على العمل ويكتفي بإرسال سكرتيره الذي يسميه المدرسون (رقيبٌ عتيد) لحمله تقارير الحسومات وبث التعاميم التي لا تروق لهم في كل مرة.. بينما الوكيلان غارقان في مشاكل الطلاب.. الطلاب الذين نَمَت عليهم عروق السأم وهم مغروسون في كراسي خضراء باهتة تتكرر عليهم دروس تلقينية مملة لا تنتهي إلا ليستغل المدرس بقية الحصة في دروس تلقينية من نوع آخر.. يمكن تصنيفها وفق معيار ثنائي الأقطاب لا يعترف إلا بمصطلح كفري إسلامي أو تقدمي رجعي بحسب الملقن.. ينتظرون الفسحة بصبر فارغ ليمارسوا بعض العفوية وقضم الساندويتشات والتراشق بالمياه أو بعض السلبية باجتماعات قليلة العدد تخطط للهروب أو تتغامز باتجاه طلاب أصغر سناً.. يبدون مكرهين على الحضور.. حتى إذا وصلوا السنة النهائية أصيبوا بسُعار درجاتي مريع.. تعلموا قبل العلم أن العلم وسيلة وأن الغاية هي الوصول للسنة التالية ثم الخروج من المدرسة بنسبة مؤهلة.. آخر سؤال تقليدي ألقيته عليهم تفاوتت إجاباتهم عليه.. أحد الطلاب قال باسماً (سأتجه للقطاع الصحي) فسَرَت همهمات ضاحكة في الفصل.. طالب فلسطيني قال (سأدرس الهندسة في مصر).. آخر سعودي قال بغرور (ورقة اعتمادي مختومة في الكلية أحتاج فقط للنجاح بأي نسبة).. طالب ………………. ولا أدري ما أقول.. بأي كلمة أداري هذه السوءة الفاضحة.. بدون !!.. هل يمكن أن يولد الإنسان وينمو في بلد وهو لا يحمل جنسيتها ولا أي جنسية أخرى.. إنسان من خارج الكوكب.. جنسيته بدون.. بدون.. هذه الدولة الهلامية التي تستوعب عشرات الآلاف في أكثر من بلد خليجي دون أن تؤمن لهم عيشاً شريفاً ولا دراسة جامعية ولا تأميناً طبياً ولا ضماناً معيشياً.. يحصلون على قوت يومهم بعناء.. ويسيرون بين الناس بنقص فاضح.. يلفظهم المجتمع ليمتهنون السرقة وترويج المخدرات.. الإثبات الوحيد بأنهم موجودون هو النظرة المسغبة وورقة رسمية تفيد بأنهم بدون.. بدون جنسية.. بدون طموح.. بدون أمل.. بدون لسان يتحدث فيسمعه المجتمع.. المجتمع الأبله المقعد الذي يبحث تفجيرات العراق وقيادة المرأة وموديلات السيارات وينسى أن يدفع كرسيه المتحرك إلى الأمام.. لم أستطع تجاوزه وقد سألت الطلاب بالترتيب.. خطرت لي فكرة التوقف فخشيت أن يستشعر ما في نفسي.. ولا أدري أخشيت عليه من السؤال أم من عدم السؤال.. لم أرِد أن يستمر التردد لأكثر من اختلاجة.. فدفعتُ بالسؤال إليه برفق وبصوت خفيض وكأنه اعتذار مبطن لما قد يثيره من جراح مفتوحة.. بابتسامة باهتة أجاب (وين يعني.. إما حارس أمن في شركة خاصة أو موظف كابينة هاتف) قلتُ بإشراق مصطنع (تفاءلوا بالخير تجدوه).. وأكملتُ سؤالي التقليدي وأنا ألعن علامته الاستفهامية.. إلى أي حد نستطيع التجرد من مشاعرنا وتشكيل برودها بنفس القدرة والحرص على التشكيل الرسمي للشماغ على رؤوسنا.. جسّدتُ بقدرة فذة لا يجيدها إلا منتوجات هذا المجتمع الدور الفاشل لماري أنطوانيت.. سيقول: وما يدريك أنت أيها المعلم (السعودي) ابن القبيلة المعروفة.. وحتماً فإني لا أدري.. (واللي إيدو بنا مش زي اللي إيدو في المَيّة).. وحتماً فإن مجتمعي لا يدري فهو غارق في (الميّة).. مياه عفنة موبوءة.. مياه راكدة آسنة هي كل ما نملكه من موروث نسميه عادات وتقاليد.. كدتُ بعد سؤال طالبين أن أعود إليه معتذراً.. ولكني لم أفعل.. أنا جزء من الحدث وأتحمل حتى مع رفضي لها أخطاءه.. فمع أن الله يقول {ولا تزر وازرة وزر أخرى} إلا أن المجتمع يقول (الشر يعمّ).. وها أنا محمّلٌ بأوزار مجتمعي فالساحة تطبق تعاليم المجتمع لا تعاليم الله.. لن تستفيد يا يوسف من درجاتك العالية.. لن تستفيد من خلقك الرفيع.. ولا من تدينك المنضبط.. خذ حفنة من الحبوب المخدرة وتاجر بها في الممرات المظلمة.. ستقضي بقية عمرك في السجن فيما يُطلب من مختلسي المليارات تقديم استقالتهم فقط.. ولا جريرة.. فالقاضي هو مجتمع بليد يضع على مكتبه يافطة كُتب عليها [الحاكم بأمر الله]

No comments yet
تلقيمات التعليقات لهذا المقال