أرمـيـنـيـا كـلـهـا كانـت تـُراقِـصُـنـي
بروضـها وبـطـعـم الثـلـج في فـيـها

كانت تُدَوزِن خـفـقي حسب رقصتها
وتـحتـوي عُـنُـقـي المـذبـوح أيـديـها

تـمـيـلُ كم من صـراطٍ مَـيَّـلّـت معها
تـدورُكـم تـحـفـةٍ قــد دُوِّرَت فـيـهـا

تـعــدو إلـيَّ كـهـيـمٍ تــرتـأي مـطـراً
وتـرجعُ القـهـقـرى والقـلـب يـبـكيها

تغفـو على كـتـفي شـوقـاً فتـوقـظني
يـصحو سـعـيري إذا تـغـفـو مآقـيها

ما الـلـيل إن لم تراقـصني وتـذبحني
مـا الـعــمـر إن لم تـزيِّـنه لـيـالــيـها

خوضي كعـنترة العبـسي حيـن يرى
نــظـرات عـبـلة والأعـداء تسـبـيـها

لا تـتـركـي لـلـدمـى إلا حــرائـقــهـا
ولـلرجـال سـوى الآهــات تُـعـلـيـها

تَكَـسَّــري ما بـحور الـشِــعر خالـدةٌ
أنتِ الـبـحـور فـأعـلـيـها وأرســيـها

أنتِ الـقــصائد أنتِ الـشِـعر قاطـبـةً
يا لـهـف قـلبي على لمـسِ قوافــيـها

ما الضاد إن لم تكـوني أنت نـقـطته
يا مركز الأرض مرساها ومجريها

يا لفـظـة الحسن أشــدوها مُـنَــغَّــمةً
أرميـنيا الأمـر والأعـراب ماضـيها

بغـداد والـقـدس والـزهـراءُ في يدكِ
حتـى الريـاض بـأمـري أنتِ والـيها

أرمـيـنـيـا يا بـلاداً لــسـتُ أعــرفـها
وأعــشـقُ كـل شــبـرٍ في أراضـيـها

if-you-want-something-you-never-had-do-something-you-have-never-done.jpg

اقتليني جرعة ً زائدة ً
واغمريني بالهدايا والهبات ْ

إن يكن وصلك موتاً فأنا
صدقيني لم أعد أنوي الحياة ْ

مرت الأيام لا شكل لها
يتمطى الصبح فوق الأمسيات ْ

واستدارت حين جئتِ قُبَلاً
وزغاريداً تزف المعجزات ْ

فاعذريني إن تهورتُ إذا
كنتِ مني تحت مرمى الهمسات ْ

أنتِ تدرين بأن لا حول لي
إن تزلزلتُ أمام النائبات ْ

نوستراداموس لم يدر ولم
يتنبأ بدوي الطلقات ْ

غير أن الحب يملي حكمه
فعلى من نشتكي جور القضاة ْ

لوني هذا المدى رفرفة ً
واستعيدي العمر من كف الشتات ْ

فلقد جفت عناقيد الصبا
والأماني غارقات ٌ في سبات ْ

واقتليني جرعة ً زائدة ً
كم أحب الجرعات الزائدات ْ

تبكي إذا رأيتها

كطفلةٍ بلهاء ْ ..

ترقص إذ نعبر فوق الأرصفهْ

تدخلني مقهىً أنا أكرههُ

تفتح لي زجاجتي

تنزع عنها الأغلفهْ ..

تكتب لي في حضرتي رسالة ً

وتكتبُ الإمضاء ْ ..

تطعمني من يدها

وكلها انتشاء ْ

تغار حين تأتي النادلهْ

وتبدأ المجادلهْ

وتبدأ البكاء ْ ..

تخرج هاتفها من الحقيبه ْ

تشرع بالتصويرْ

تطلق ضحكتها المجلجله ْ :

يعجبني تجهمك ..

تحكي بلا تفكيرْ

تسرد لي أحزانها

كأنها تقرأ من كتابْ

فأطلب الحسابْ

لا أستطيع أن أحبَّ

امرأة ً مبتَذَله ْ ….

أستأجر بكأسٍ وطناً .. وأجد غربتي تحمل حقائبها في المحطة .. أمد لساني للجدب .. وأزوّر كل أوراقي الرسمية .. كنتُ برغوثاً يحاول القفز لاختراق سقف الخيمة .. أنا الآن كوكب تنبذه كل المجرات

الكأس الثاني .. وزوبعة الغبار في المحطة توحي بأن حزناً ما كان هنا .. الدموع تبتدئ من المحطة وتستمر على طول الطريق كدماء جريح هارب

الكأس الثالث .. المتسول المسن يصرخ بنظرتي الآسفة : في الفضاء ينعدم الوزن

الكأس الرابع .. وساعي البريد يقول كانت تحتضر

الكأس الخامس .. البطن العاري يمضغ علكته ببطء وينظر إليّ

الكأس السادس .. يصعب رؤية ما أكتب .. يصعب كتابة ما أرى

الكأس السابع .. وحنيني إلى تلك المُرَحّلة ينبثق .. الأشياء رهينة أضدادها

الكأس الثامن .. لو كان وطني كأساً لأترع دما .. وطني غانية يتقاسمون جسدها ولا يمنحونها لحظة كبرياء

الكأس التاسع .. أدرك صوتها دون أن أسمعه : أنا وحدي من يستطيع احتواءك .. لا لحرق الخيام

الكأس العاشر .. الغربة تلقي حقائبها على المدخل وتقبّل عنقي

وليس ثمة فِراش .. ليس ثمة فِراش

أنا في ظلمة بطن الحوتْ
أولـد.. أحـيـا.. ثـم أمـوتْ

قـالـوا إن الـغــيـم بـخـارٌ
والـقـعـر الأسـود ياقـوتْ

إني أتـعـفّـن في جـسـدي
تـابـوتـاً يــعــقـب تـابـوتْ

لم نـشـرب شـيـئاً لكن لا
جـهـد لـنا اليوم بجالـوتْ

الخصلة العابثة نفسها
والشفة المعجزة نفسها
ونظرة الاستنطاق الصامتة نفسها ..
قلت : تشبهينها
قالت : مين هي ؟
قلت : هي ..
 حاولَتْ مداراة بسمتها
وحاولتُ مداراة لوعتي

**

كانت ترقص لوحدها
وكنت أشرب لوحدي
ترقص شاردة ..
يخيل إلي والراقصون يفصلون بيننا
أن لها رائحة العطر الثمل نفسه ..
قلت في نفسي : يااااااااااااااااه كم تشبهينها
فنظرت إلي وابتسمت

**

على الغداء غنت موالاً كردياً
وقفت بي على جبال الجنوب في تركيا
وقالت : كيف تنمو الوردة في الثلوج ..
قاطعتُ موالها الحزين : أحبكِ ..
وحين التفتت إلي رأيت في خصلتها العابثة كم كنت كاذباً

**

تنظر إلي بعين العطف
وتدرك أني أرى أحداً آخر ..
وأنظر إليها بعين الحيرة
وأدرك أني لم أعد أستطيع التمييز

**

غضبتْ حين تسمرت عيناي بها لأول مرة
قالت إنها زبونة  وليست من دمى المكان ..
قلت : ليس للدمى هذا الجمال
فقالت : وللشعراء نفس الدمامة

**

حاولتُ تجنب النظر إليها
فوجدت يدها على كتفي وهي تقول :
لماذا كنت تصرخ في أحلامك ؟
أجبت :
لأني لا أستطيع الصراخ في يقظتي

**

على طاولتها كانت تدخن بغضب
نظرتها إلي تقول :
خليجي ثري يريد افتراس كل الفتيات..
وكنت أحاول تمييز الصورة
فأنا أعرف أنها لا تدخن ..

**

تمسد شَعري قائلة :
يا صغيري المسكين .. آن لك أن تشعر بالأمان
فدع صحراءك في مكانها .. وابكِ بين يدي
 قلت :
كلتاهما لا تدعاني ..

**

نظرتْ إلي باستغراب وأنا أطرد الدمى المتحلقة
وحين قلت للمغني :
أنشدنا (حامل الهوى تَعِبُ)
انطلق ترقص متحاشية النظر إلي..
وحين ابتسمت لي بعد تهرب
قال المغني :
تضحكين لاهية .. والمحب ينتحبُ

**

قطعَتْ سرمدية السكون :
انظر .. القمر مخنوق بغيوم سوداء
قلت :
يا لوحشة النخيل

**

جاء النادل بكأس وبطاقة كتب عليها :
تقبل هذا الكأس اعتذاراً صادقاً
شربتُ الكأس ..
وأعدت البطاقة مكتوباً على ظهرها :
ولكني لا أعذر جمالكِ

**

بعد الموال الكردي أشاحت بوجهها حاجبة دموعها
وحين احتضنت حزنها
اندست كعصفور مذعور في صدري

**

صافحتني ..
قالت : أنا شيلان
قلت : كنت أعرفك باسم آخر
قالت : أريد الاعتذار
فأشرت لها بالصمت والجلوس بجواري

**

حين قالت باكية :
حدث ما خشيته .. إنني أحبك َ
توقفتُ عن المقارنة بين الابتسامتين

**

قلت : تشبهينها
قالت : مين هي ؟
قلت : هي

من الخط الفاصل بين التلاشي والانعدام أسرق قلمي الآن لأغمسه ببقية ذات.. سافرتُ ملايين الأوطان لأستبدل المنفى بغربة.. حين يعرو صفحة اليأس حجر محاولة يصبح النصر هو الخروج بخسارة أقل.. وبعد الاغتراب حد التوحش أدرك أن كل ما استطعت إحداثه هو دوائر منفلشة تلاشت بمرور الوقت..
الأحلام مطمورة بالخيبات.. والأيام تغير لون الجراح دون أن تشفيها.. أحمر.. أزرق.. أخضر.. أسود.. ألوان لجراح مفتوحة حتى مع وقف النزف ومحاولات الوقوف.. والذاكرة بلّور مهشم ملون بالجراحات المفتوحة.. وهذه الطاولة الصليب أجلس إليها كل ظهيرة فارشاً صور الجراح الملونة.. يجالسني القدر ونلعب وندخن ونضحك حتى المساء.. دائماً كان يهزمني.. ودائماً تغيب الشمس بصورة ملونة جديدة.. كنت أغسل وجهي بماء الكبرياء المقدس وألبي دعوته للرقص.. ما بعد المغيب هو احتفالية خاصة بميلاد ثلم آخر في الذاكرة.. رقص على فوهة جرح مفتوح لا ينبئ بالثوران بعد ما اغتالت فرق الإعدام الخاصة كل ثورية يمكن أن تعتري بدوياً قد يحاول دون أن يجيد إصلاح بلّور مكسور..
وعلى مفصل إعياء وسقوط وقفت دائماً بنبض ضعيف محاولاً استدراج أي كوّة للحصول على بعض القدرة..

رياح ملغومة تترصد أصنامي.. بعض أصنامي وقع والآخر رفع ذيل ردائه وانطلق إلى أضواء بغير لون الجرح.. وبقيت أنا.. تلفحني الوحدة.. حرام عليّ الوقوع.. وحرام علي اللحاق بالأضواء.. حالة انكسار متشنجة بنية الوقوف..

ارتكاب اليأس ذات سقوط جزئي ليس خيانة للصنم المكسور دون وقوع بل محاولة لدرء انهيار على وشك أن يقع حال استمرار التوحد.. ثقاب الأمل الغير مستعملة هي لعبة طفل متنحي في حال أراد بكاءً يحرم عليه..
غريباً على بعد ملايين الأوطان من المنفى.. تجلس إليّ قطة عربية.. قطة عربية دون استعارة أو رمزية.. تغفو بأمان عند قدمي وأنا أدخن بتوتر متوجساً عيوناً في الظلام..
أحمل جواز سفر وبطاقة أحوال مدنية ورخصة قيادة وبطاقة عمل.. يسألني الضابط: أين هويتك.. أرفع كتفي ولا أجيب.. يحولني للتفتيش الشخصي فيجدون في ثيابي قطة عربية مستعارة.. كانت تأكل لحمي وكنت سعيداً بمجرد أنها آمنة في ثيابي.. يجردونني منها.. الضابط يقلب رخصة القيادة ويسأل ساخراً: ومن يملك القيادة.. أجيبه: اعتزلت الأسئلة الكبيرة.. الضابط بحنق: كم تهوون دهس القطط.. أصمت مبتسماً.. لا فائدة من القول بأني بلا وطن.. سيارة رياضية مسرعة تقول: القطط حيوانات آكلة لحوم..
أخرج تاركاً ما أعرف وما لا أعرف.. أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. ستعود آمالي المدحورة رياضاً وأنهاراً كما كانت.. أضحك بعمق لهذه الشطحة.. هاهو ذا الطفل المتوحد يعبث بعود ثقاب.. (دخيل عيونك أنا.. مابدّي أوئع).. أكنس الشظايا المتناثرة وأخبئها تحت السجادة.. لم يحن الوقت للانكسار التالي.. ورغبة الطفل في البكاء تتضخم..
أعود إلى بدايات التصحّر وميلاد الفناء.. هنا كنت أقف مكتنزاً بالنبوءات.. ثورياً كعنقود مشتعل.. لم أتدلّ.. مشرئباً يريد بلوغ أسباب السماء.. الشهقة الأولى امتدت ما بين نداء الجاذبية والنجم المرقوب.. ببنادق الصيادين اقتصرت الشهقات التالية على لحظة ولوج الرصاصة إلى ميادين اللحم.. يباساً معلقاً بقيت عوداً يرفض الاعتراف ولا ينكر الحقيقة.. يرفض الوقوع ويقدم أحلامه قربان تشبث على أمل ربيع قادم .

في تكور قبضته على الطاولة والعروق النافرة من أصابعه , في عينيه المغمضتين والحاجبين المنعقدين , ومسحة الحزن على جبينه , كان ثمة حكايات تُسترجع لا أستطيع استكناهها . وحين انشغلتُ بمتابعة مباراة البلياردو بين الفتاتين المحليتين ونظرتُ إليه أخرى كان قد طلب كأس (تاكيلا) جرعه بعنف وأردفه بجرعات من البيرة ..
غريبان في المقاعد الطويلة المستديرة على ضلعي الزاوية القائمة للمشرب وجدا في ملامحهما الخليجية سبباً للانقباض المفاجئ كهبوط ظلال قاتمة لصور الدم والعَرَق وتسلط الآلهة .. قال دون أن ينظر : من أين أنت؟.. نطقها بالطفولة الغاضبة والتلقائية التي تسكبها الخمرة في العروق , ومع كراهيتي السؤال أجبت : من الرياض , تنهد وقال : قاتلكم الله جئتُ هارباً منكم , قلتُ بهدوء : عليكم اللعنة .. أنا هارب منكم أيضاً , وضحكنا كمخمورين ..

في الحديث البعيد نطقنا أسماء الملاعين دون خوف , تحدثنا في السياسة والدين والمجتمعات وأطلقنا الشتائم القذرة دون مواربة .. اختلفنا قليلاً واتفقنا كثيراً وتمنينا معاً حريقاً يهلك الدغل كي يقتل كل الجراثيم , حجرين يلتقيان خارج مدارات الاهتزاز والتطاحن فلا يبرقان شرراً بل يصطفان عاريين في محاولة تضامن لرد البحر أو على الأقل الصراخ بجنون ضد أمواجه الديكتاتورية ..

آن صرخت الفتاة عارية البطن فرحة بفوزها كان يعصر الليمون على حواف كأسه ويضيف له بعض الملح كي يخفف مرارة المشروب وأنا أدخن بهدوء وكأننا قد تواطئنا دون حديث على صمت يحتاجه كلانا ..

نوع الموسيقى الذي لا يتغير وقمصان الهارلي دافيدسون المعلقة تشي بأن الرجل الغربي ضخم الجثة الذي كان هنا قبل دقائق هو مالك البار .. قميصه وشواربه الطويلة التي تحتل الخطوط الوسطى للدقن هي عرف لنمط حياة غربي متصعلك يتخذ الطرق الطويلة ملاذاً من المدنية الصاخبة والمثيرة للتقيؤ , جاء إلى هذا البلد الاستوائي ليعيش بسلام مخلصاً لفلسفته بينما نتزيف نحن داخل خنادق العداوة والتحفز غير قادرين على المكاشفة والتجلي .. في الغد سأتحدث عنه مع رفيقيّ ليقول أحدهم : الفرق بيننا وبينه كالقفز من منصة البانجي.. هو يريد القفز فقفز، قلتُ بغضب : فما عذري أنا وقد قفزت البانجي حين لم تفعلا .. غير قادر على القفزة الأوجب , وضع يده على حواف كأسه وأداره ببطء للجهتين دون أن يجيب ..

خلعوا امرأتي عني لعدم كفاءة النسب .. قال الغريب الذي ألقته المنافي ليشاركني اللعنات والضحك في هذا المساء السكير ، قلت: خلعوا ذاتي مني بتهمة الزندقة .. ثم ندمت على عدم إعلاني التعاطف معه حينما لم تستثره عبارتي.. مرت دقائق صمت كانت المراوح فيها تترنح لتبديد الرطوبة الخانقة قبل أن يسأل في محاولة لاستدراج أي حديث يبدد الوحشة : أين رفاقك الذين كانوا بالأمس معك هنا ؟ ، قلت : ينامون في الفندق .. وأنت ألا تنام ؟ .. فغنيت له عبارة فيروز : الليل مش للنوم أصل الليل للسهر .. قهقه طويلاً قبل أن يقول : هاهو ذا عربي أصيل لا ينسى أقوال الحكماء من مغنين ووزراء عسكريين وشيوخ كتاتيب ، فابتسمتُ دون رد ، قال مكملاً قهقهته : أتعلم ؟ توقعتُ من عمرك والوشوم في يديك والقلائد في عنقك ما تفاجئني بضده في كل عبارة تتحدثها ، قلتُ : أعرف نفسي جيداً ويعرفني الله جيداً ولا يهمني إن لم يعرفني الناس ، قهقه من جديد : وهذه واحدة أخرى ..
ثم لذنا بصمت جديد كانت دقائقه كافية لاستثارة الزبد الطافح من رؤوسنا .. رفعتُ كأسي عالياً : بصحة كل أبناء الزنا والمواكب الرسمية والألقاب .. كل تلك البقاع الملوثة بالقبيلة واللحى البلاستيكية والمجارير هي لكم , فاستثارته عبارتي حد الهيجان وقرع الكأسين بعنف , كان يشرب وعيناه تومضان بوهج الدم والبروق الخاطفة والرغبة البدائية في القتل والرقص .. يبدو بإنهاك جثة بحار طافية منذ آلاف السنين .. وحين جاءت النادلة بالكأس الجديد سألت باسمة بإنجليزيتها الركيكة : أأنتما من إسرائيل ؟ .. فكان سؤالها هو بالونة الكوميديا السوداء التي انفجرت على رؤوسنا لنضحك من جديد على أحزاننا ومواقعنا الإعرابية .. تلبس ككل الفتيات في هذا البلد تنورة قصيرة جداً وقميصاً عاري الكتفين .. اسمها (بون) وكل أسماء الفتيات هنا ثلاثية يتوسطها حرف مد كـ(توم) و (فون) .. اكتفت بقهقهتنا الجامحة وذهبت دون إجابة .. وحين جاءت للغريب بزجاجة بيرة وضعتها في حافظ برودة فليني عليه صورة اللعبة المحلية (مو تاي) وانصرفت باسمة ..

دنا مني : ما أخبار البنات هنا ؟ ، قلت : لا أزني .. فرفع حاجبيه : أراك تقبّل كثيراً ، قلت له : بحثاً عن الإلهام ، تأفف بضيق : يا لغرورك ، فحاولت التودد : القبلة نوع من العطر .. استنشاق وردة بمذاق مختلف .. أما الجنس فهو عملية حيوانية مقززة ودهس للورود ، زم شفتيه : ربما .. ثم عاود الضحك : قد تقبّل ليدي بوي وأنت تخاله فتاة ، قلت : وما الأهم .. حقيقة الأشياء ؟ أم ما نعتقده عنها ؟ .. هتف بظفر وقد عثر على سقطة مستذكي : انتبه أن تخالف فلسفتك ، بتهرب قلت : لا تحتاج الحياة إلى محاولة فهم بقدر محاولة جعلها أجمل .. رشف الجرعة الأخيرة من البيرة بحزن : يسهل البحث عن مواطن الجمال حين لا تدمى الذاكرة .. وحين لم أجد ما أقول لذتُ بالصمت ونحن نتابع معاً الشارع الخالي سوى من عبور بضع دبابات وعربات التك تك ..

لأيام تالية ستروي النادلة لرفيقاتها عن سكيرين شرقيي الملامح تحدثا طويلاً وضحكا طويلاً وبكى كل منهما وهو يشيح بوجهه عن رفيقه ثم تجادلا لخمس دقائق حول من يدفع الحساب .. وتركا لها بخشيشاً كبيراً …

يحدث للصدفة فقط أن تهوي بك سبعين خريفاً في مرارة الفقد.. كنتُ قد تركتُ الماضي خلفي وعدوتُ هارباً.. وحين تعثرتُ به اكتشفتُ أنه كان أمامي دائماً.. هل تعثرتُ بنفسي..؟ وهل عقلي الباطن هو ما كان يلاحقني وأنا أتوهم تظليله..؟ لم أكره في حياتي علماً كعلم النفس.. حين اقتنيتُ تلك المجموعة من كتبه أكملتُ قراءتها ببطء واستثقال ولم أعد لذلك حتى اليوم.. داهمتني فكرة الخوف من فهم نفسي.. أن أعرف ميكانيكيتي فهذه هي لحظة تنفيذ الإعدام في التلقائية والبديهة.. أن أعرف نفسي يعني محاولة أن أكون أحداً آخر بحثاً عن الأفضلية وترقيع الفراغات في رداء الإنسانية القصير الذي لا يستر أجزاءاً إلا ليفضح أخرى.. ويصبح دارس هذا العلم في النهاية كالغراب الذي لم يُجد المشيتين..
الآن وهاجس افتراض ملاحقة عقلي الباطن لي يفترسني ألعن هذا العلم وأردد المقولة الشائعة عنه لدى المجتمع السعودي بأنه (علم نقص) لا علم نفس.. لم أعد متأكداً من شيء ولكني أشبه بهارب تطارده أصوات الأشباح وكل ما يسمعه هو خشخشة الحقيبة فوق ظهره.. لا أدري كم بقيت هارباً ومرتجفاً ووحيداً حزيناً مهلهل الرغبات ونافراً من كل شيء.. ولكني الآن فقط.. الآن أتعثر وتتكدس فوقي مشاعر شتى وكأني من أحرز هدف الانتصار..
يتسرب العمر من كفيك قطرات ماء صافية لا تستطيع الإمساك بها ويتبقى الشوك مغروساً في أصابعك.. تخفق بجناحيك بعنف تريد أن ترحل إلى جزر المرجان والنخيل وأكواخ القش والفاكهة الاستوائية فتجد أن أي شوكة لم تسقط وأنك لن تستطيع النوم إلا بأقراص تتناولها دون وصفة..

مذ رحلَتْ مررتُ بعدة مراحل وبقيتُ في النهاية جرحاً مفتوحاً وبركاناً خاملاً وقلماً محسور الغطاء.. أطعمتُ أسماكي وتملقتُ رئيسي وذهبتُ إلى النادي وشربتُ يومياُ عشرات فناجين القهوة .. لا شيء تغير.. الآن أدرك أنني مارستُ كل شيء وأنا مزروع في المكان نفسه.. اندثرت المحطة وتلاشى الدخان ومايزال صفير رحيلها يهرش في داخلي قافية مبحوحة..

قرأنا صغاراً أن الصدفة يجب أن لا تدير القصة ولا تتدخل في أحداثها وأن ذلك عيب في البناء.. ولكني هنا لستُ قاصاً ولا حكواتياً يجمع الحارة حوله بعد المغيب.. أكتب لكم الآن لكي أنثال دون تحفظ ولو لمرة واحدة في حياتي علّي أستطيع أن أخرج هذه الزفرة السوداء من صدري قبل أن أموت اختناقاً..
كان كابوساً أو رؤيا أو أضغاث أحلام ولكنها جاءت بكل ما تستثيره سيجارة في المقلع قديماً عن التدخين.. بفجائية القدوم وكراهية الحضور وبالشبق الأول.. زارتني في المنام.. هل عليّ أن أخلق عقدة أقوى لحبكة أفضل.. وهل عليّ أن أعتذر مرة أخرى عن عدم كوني قاصاً ولا روائياً.. كنتُ أقود السيارة في طريق مظلم يبدو أحد الطرق السريعة.. لا أتذكر شيئاً من أحاديثها ولكني أذكر جيداً فرحتي أثناءها وكيف تمنيتُ لو يطول الطريق فلا نتوقف أبداً.. فعلتُ مكرهاً وتوقفنا عند محطة مضاءة يجتمع عليها خلقٌ كثير.. وللمرة الأولى أراها في هذا المنام.. كانت متدثرة بخمارها الأسود ويدي ماتزال تمسك يدها.. ياااااااه ما أصعب انتزاع الحلوى من يد طفل.. وما أصعب أكثر طفولة الكبار التي تجبرهم على التخلي عن حلواهم طوعاً ودون بكاء.. على الأقل ليس ظاهرياً.. وحين تخليتُ عن يدها للحاق بجموع المصلين إلى المسجد رأيتُ وقتها فقط كم كانت أصابعها نحيلة وطويلة ومعقوفة كمخالب الحيوان المسمى (الكسلان).. وقبل أن يعتريني الذهول كنوبة برد أفقتُ على صوت المؤذن لصلاة الفجر.. كان حضورها حتى في المنام شحيحاً كفرجة ضوء في كهف مسدود.. ولا أدري أي شاعر قال :

ولا قرب نعمى إن دنت لك نافعٌ   …    ولا نأيها يُسلي ولا أنت تصبرُ

ربما كان أنا في زمان سحيق.. وها أنذا الآن أرتجل البيت لأول مرة مرة أخرى.. أثناء الصلاة قلتُ لنفسي إن المنام حين ينقضي بصوت المؤذن فجراً رؤيا وكشف من الله.. وفي ترك يدها للذهاب إلى الصلاة رمزية واضحة.. غفل محدثي عن إفساده صلاتي بهذا الحديث.. واستيقظتْ البقية المتذكرة من علم النفس التحليلي وتفسيرات فرويد للأحلام لتفسر الخمار الأسود بالغياب والمحطة بالتمرحل والطريق المظلم بحياتي غير واضحة المعالم والأهداف والمسجد بشرعية الحب.. وبين الميتافيزيقي والماركسي كنتُ أنا الحقيقي أصرخ دون صوت وكأن حبالي الصوتية قد تآكلت جميعها.. ما الذي قد يعرفانه مجتمعَيْن عن فورة الجرح حين يُطعن أخرى وهو لمّا يلتئم بعد.. بقيتُ طويلاً كمصور مبتدئ يضبط تركيز البؤرة على هدف قريب لتصبح الخلفية ضبابية.. ومع اختلاف الأهداف بقيَتْ هي خلفية ضبابية ثابتة.. أعلم أنها هناك وأحاول تناسي ذلك والتشاغل بهدف الصورة.. لم أكن قوياً ولكنها نقضتني من بعد أنكاثي أنكاثاً.. مجيئها طيفاً عابراً في منام كان طفلاً في ساحة معركة منقضية يقتل جريحاً لا يستطيع النهوض..

وأمص السيجارة بعنف.. الخدر الشجي والدوار الخفيف والجرح ينزف مرة أخرى.. ككل الفراشات التي تموتُ احتراقاً أهرع إلى الصندوق القديم في مخزن الأمتعة.. أركض به إلى غرفتي وأنشر رسائلها على السرير.. أقرأ كل واحدة على حدة ثم أنشرها بتشكيل مختلف.. أصورها بجوالي.. أمسح الصورة.. ورائحة الاحتراق تأتي ربما من كوة منسية.. توهج الجمرة احتفاء صاخب بإياب مهاجر عاد بخفي حنين.. يخيل إلي أن رسائلها مازالت تحتفظ برائحة العطر الذي أهديته لها.. أوراق بيضاء وأخرى ملونة.. أوراق برسوم بسيطة وأحرف إنجليزية.. دفتر تقويم كامل على كل ورقة منه خاطرة أو عبارة أو رسمة أو جملة من أغنية أو حتى كلمة واحدة كثيراً ما تكون (أحبك).. أتأمل بستان رسائلها مفروداً على كامل سريري.. أعود وأرمي برأسي إلى الجدار باستسلام.. الدوار الأول والرعشة الأولى ونقطة الصفر.. أنفض رماد سيجارتي فلا تذهب به الريح.. لم أستطع الإقلاع عنها حتى بعد أن قتلتني..

حين تزوجَتْ نفضتُ رأسي ألف مرة محاولاً التخلص من صورتها.. وحين أشعلتُ ناراً هندوسية تحرق رسائلها كي يموت حبها بسلام كانت النار حزينة وكنتُ أحاول التماسك.. وكان قلبي هو الشيء الوحيد الذي احترق ذلك المساء..

أخبرتني أمي بأن ابنة فلان ستتزوج فركضتُ إلى الفناء ألاعب أطفال العائلة.. استرقَتْ النظر إليّ أكثر من مرة لتتأكد من ردة فعلي.. أمي وحدها تعرف بحبي.. ووحدها تعرف بأنه أطهر من الحب ومن الطهر نفسه ولهذا خشيَتْ علي الحزن.. لأن الحب الطاهر فقط ما يورث الحزن والانتحار كمداً.. استأذنتها قبل الزواج بأيام بالسفر فودعتني لأول مرة دون وصايا.. نظراتها مواساة غير مواربة وأنا أبتسم محاولاً تبديد قلقها.. وحين كانوا يزفون قمري إلى فضاء آخر كنتُ على بعد آلاف الأميال أرقص كذبيح.. أدور أدور بانتشاء مصطنع وأحاول إطلاق أي ضحكة مهما بدت سخيفة.. وأقلب في وجوه الدمى.. ويا للعجب.. كنّ كلهنّ هي..

بطلوع الفجر لبستُ قناعي وقلتُ: هي الآن لرجل آخر ولن أكون من يفكر حتى التفكير بأشياء غيري..

لو أن طيفها المترصد كل هذه المدة لم يستغل بيهودية نومي لما رأيتُ وجهي الحقيقي في المرآة حين غسلته.. أشلاء القناع غير قابلة للإصلاح وأنا لا أرغب بمزيد من التدخين.. سأغسل حزني بماء الصبر وأجففه على نار رسائلها وسأبدأ من جديد بإطعام أسماكي وتملق رئيسي والذهاب إلى النادي وشرب القهوة ولكن خارج المنفضة..

سيزيف يحرق الرسائل ويطفئ سيجارته الأخيرة ويدير ظهره إلى الصخرة والجبل.. سأورق في السهول..

في جوالي.. الرسائل الواردة 1 :
((سامحك الله لِمَ تركت يدي حتى في المنام))