يحدث للصدفة فقط أن تهوي بك سبعين خريفاً في مرارة الفقد.. كنتُ قد تركتُ الماضي خلفي وعدوتُ هارباً.. وحين تعثرتُ به اكتشفتُ أنه كان أمامي دائماً.. هل تعثرتُ بنفسي..؟ وهل عقلي الباطن هو ما كان يلاحقني وأنا أتوهم تظليله..؟ لم أكره في حياتي علماً كعلم النفس.. حين اقتنيتُ تلك المجموعة من كتبه أكملتُ قراءتها ببطء واستثقال ولم أعد لذلك حتى اليوم.. داهمتني فكرة الخوف من فهم نفسي.. أن أعرف ميكانيكيتي فهذه هي لحظة تنفيذ الإعدام في التلقائية والبديهة.. أن أعرف نفسي يعني محاولة أن أكون أحداً آخر بحثاً عن الأفضلية وترقيع الفراغات في رداء الإنسانية القصير الذي لا يستر أجزاءاً إلا ليفضح أخرى.. ويصبح دارس هذا العلم في النهاية كالغراب الذي لم يُجد المشيتين..
الآن وهاجس افتراض ملاحقة عقلي الباطن لي يفترسني ألعن هذا العلم وأردد المقولة الشائعة عنه لدى المجتمع السعودي بأنه (علم نقص) لا علم نفس.. لم أعد متأكداً من شيء ولكني أشبه بهارب تطارده أصوات الأشباح وكل ما يسمعه هو خشخشة الحقيبة فوق ظهره.. لا أدري كم بقيت هارباً ومرتجفاً ووحيداً حزيناً مهلهل الرغبات ونافراً من كل شيء.. ولكني الآن فقط.. الآن أتعثر وتتكدس فوقي مشاعر شتى وكأني من أحرز هدف الانتصار..
يتسرب العمر من كفيك قطرات ماء صافية لا تستطيع الإمساك بها ويتبقى الشوك مغروساً في أصابعك.. تخفق بجناحيك بعنف تريد أن ترحل إلى جزر المرجان والنخيل وأكواخ القش والفاكهة الاستوائية فتجد أن أي شوكة لم تسقط وأنك لن تستطيع النوم إلا بأقراص تتناولها دون وصفة..
مذ رحلَتْ مررتُ بعدة مراحل وبقيتُ في النهاية جرحاً مفتوحاً وبركاناً خاملاً وقلماً محسور الغطاء.. أطعمتُ أسماكي وتملقتُ رئيسي وذهبتُ إلى النادي وشربتُ يومياُ عشرات فناجين القهوة .. لا شيء تغير.. الآن أدرك أنني مارستُ كل شيء وأنا مزروع في المكان نفسه.. اندثرت المحطة وتلاشى الدخان ومايزال صفير رحيلها يهرش في داخلي قافية مبحوحة..
قرأنا صغاراً أن الصدفة يجب أن لا تدير القصة ولا تتدخل في أحداثها وأن ذلك عيب في البناء.. ولكني هنا لستُ قاصاً ولا حكواتياً يجمع الحارة حوله بعد المغيب.. أكتب لكم الآن لكي أنثال دون تحفظ ولو لمرة واحدة في حياتي علّي أستطيع أن أخرج هذه الزفرة السوداء من صدري قبل أن أموت اختناقاً..
كان كابوساً أو رؤيا أو أضغاث أحلام ولكنها جاءت بكل ما تستثيره سيجارة في المقلع قديماً عن التدخين.. بفجائية القدوم وكراهية الحضور وبالشبق الأول.. زارتني في المنام.. هل عليّ أن أخلق عقدة أقوى لحبكة أفضل.. وهل عليّ أن أعتذر مرة أخرى عن عدم كوني قاصاً ولا روائياً.. كنتُ أقود السيارة في طريق مظلم يبدو أحد الطرق السريعة.. لا أتذكر شيئاً من أحاديثها ولكني أذكر جيداً فرحتي أثناءها وكيف تمنيتُ لو يطول الطريق فلا نتوقف أبداً.. فعلتُ مكرهاً وتوقفنا عند محطة مضاءة يجتمع عليها خلقٌ كثير.. وللمرة الأولى أراها في هذا المنام.. كانت متدثرة بخمارها الأسود ويدي ماتزال تمسك يدها.. ياااااااه ما أصعب انتزاع الحلوى من يد طفل.. وما أصعب أكثر طفولة الكبار التي تجبرهم على التخلي عن حلواهم طوعاً ودون بكاء.. على الأقل ليس ظاهرياً.. وحين تخليتُ عن يدها للحاق بجموع المصلين إلى المسجد رأيتُ وقتها فقط كم كانت أصابعها نحيلة وطويلة ومعقوفة كمخالب الحيوان المسمى (الكسلان).. وقبل أن يعتريني الذهول كنوبة برد أفقتُ على صوت المؤذن لصلاة الفجر.. كان حضورها حتى في المنام شحيحاً كفرجة ضوء في كهف مسدود.. ولا أدري أي شاعر قال :
ولا قرب نعمى إن دنت لك نافعٌ … ولا نأيها يُسلي ولا أنت تصبرُ
ربما كان أنا في زمان سحيق.. وها أنذا الآن أرتجل البيت لأول مرة مرة أخرى.. أثناء الصلاة قلتُ لنفسي إن المنام حين ينقضي بصوت المؤذن فجراً رؤيا وكشف من الله.. وفي ترك يدها للذهاب إلى الصلاة رمزية واضحة.. غفل محدثي عن إفساده صلاتي بهذا الحديث.. واستيقظتْ البقية المتذكرة من علم النفس التحليلي وتفسيرات فرويد للأحلام لتفسر الخمار الأسود بالغياب والمحطة بالتمرحل والطريق المظلم بحياتي غير واضحة المعالم والأهداف والمسجد بشرعية الحب.. وبين الميتافيزيقي والماركسي كنتُ أنا الحقيقي أصرخ دون صوت وكأن حبالي الصوتية قد تآكلت جميعها.. ما الذي قد يعرفانه مجتمعَيْن عن فورة الجرح حين يُطعن أخرى وهو لمّا يلتئم بعد.. بقيتُ طويلاً كمصور مبتدئ يضبط تركيز البؤرة على هدف قريب لتصبح الخلفية ضبابية.. ومع اختلاف الأهداف بقيَتْ هي خلفية ضبابية ثابتة.. أعلم أنها هناك وأحاول تناسي ذلك والتشاغل بهدف الصورة.. لم أكن قوياً ولكنها نقضتني من بعد أنكاثي أنكاثاً.. مجيئها طيفاً عابراً في منام كان طفلاً في ساحة معركة منقضية يقتل جريحاً لا يستطيع النهوض..
وأمص السيجارة بعنف.. الخدر الشجي والدوار الخفيف والجرح ينزف مرة أخرى.. ككل الفراشات التي تموتُ احتراقاً أهرع إلى الصندوق القديم في مخزن الأمتعة.. أركض به إلى غرفتي وأنشر رسائلها على السرير.. أقرأ كل واحدة على حدة ثم أنشرها بتشكيل مختلف.. أصورها بجوالي.. أمسح الصورة.. ورائحة الاحتراق تأتي ربما من كوة منسية.. توهج الجمرة احتفاء صاخب بإياب مهاجر عاد بخفي حنين.. يخيل إلي أن رسائلها مازالت تحتفظ برائحة العطر الذي أهديته لها.. أوراق بيضاء وأخرى ملونة.. أوراق برسوم بسيطة وأحرف إنجليزية.. دفتر تقويم كامل على كل ورقة منه خاطرة أو عبارة أو رسمة أو جملة من أغنية أو حتى كلمة واحدة كثيراً ما تكون (أحبك).. أتأمل بستان رسائلها مفروداً على كامل سريري.. أعود وأرمي برأسي إلى الجدار باستسلام.. الدوار الأول والرعشة الأولى ونقطة الصفر.. أنفض رماد سيجارتي فلا تذهب به الريح.. لم أستطع الإقلاع عنها حتى بعد أن قتلتني..
حين تزوجَتْ نفضتُ رأسي ألف مرة محاولاً التخلص من صورتها.. وحين أشعلتُ ناراً هندوسية تحرق رسائلها كي يموت حبها بسلام كانت النار حزينة وكنتُ أحاول التماسك.. وكان قلبي هو الشيء الوحيد الذي احترق ذلك المساء..
أخبرتني أمي بأن ابنة فلان ستتزوج فركضتُ إلى الفناء ألاعب أطفال العائلة.. استرقَتْ النظر إليّ أكثر من مرة لتتأكد من ردة فعلي.. أمي وحدها تعرف بحبي.. ووحدها تعرف بأنه أطهر من الحب ومن الطهر نفسه ولهذا خشيَتْ علي الحزن.. لأن الحب الطاهر فقط ما يورث الحزن والانتحار كمداً.. استأذنتها قبل الزواج بأيام بالسفر فودعتني لأول مرة دون وصايا.. نظراتها مواساة غير مواربة وأنا أبتسم محاولاً تبديد قلقها.. وحين كانوا يزفون قمري إلى فضاء آخر كنتُ على بعد آلاف الأميال أرقص كذبيح.. أدور أدور بانتشاء مصطنع وأحاول إطلاق أي ضحكة مهما بدت سخيفة.. وأقلب في وجوه الدمى.. ويا للعجب.. كنّ كلهنّ هي..
بطلوع الفجر لبستُ قناعي وقلتُ: هي الآن لرجل آخر ولن أكون من يفكر حتى التفكير بأشياء غيري..
لو أن طيفها المترصد كل هذه المدة لم يستغل بيهودية نومي لما رأيتُ وجهي الحقيقي في المرآة حين غسلته.. أشلاء القناع غير قابلة للإصلاح وأنا لا أرغب بمزيد من التدخين.. سأغسل حزني بماء الصبر وأجففه على نار رسائلها وسأبدأ من جديد بإطعام أسماكي وتملق رئيسي والذهاب إلى النادي وشرب القهوة ولكن خارج المنفضة..
سيزيف يحرق الرسائل ويطفئ سيجارته الأخيرة ويدير ظهره إلى الصخرة والجبل.. سأورق في السهول..
في جوالي.. الرسائل الواردة 1 :
((سامحك الله لِمَ تركت يدي حتى في المنام))